الشرق الأوسط على صفيح ساخن.. هل تقترب القاهرة والرياض وأبوظبي من لحظة الحسم؟

بقلم : على خليل
-
المنطقة بين مطرقة أمريكا وإسرائيل .. وسندان إيران.. والعرب في اختبار البقاء
-
قبل فوات الأوان.. المنطقة تُعاد صياغتها والعرب خارج غرفة القرار
-
من غزة إلى السودان وسد النهضة.. نيران تحاصر الأمن القومي العربي
في الشرق الأوسط لا تتحرك الدول الكبرى عادةً بالضجيج، بل تتحرك حين تشعر بأن خرائط النفوذ تتغير وأن التهديدات تقترب من حدود الأمن القومي. ولهذا فإن الجدل الذي أثير حول احتمالات عقد قمة طارئة تجمع مصر والسعودية والإمارات، سواء كانت معلنة أو غير معلنة، يعكس حقيقة سياسية مهمة: المنطقة بالفعل تقف أمام واحدة من أخطر لحظاتها منذ سنوات.
فمن غزة إلى البحر الأحمر، ومن السودان إلى الخليج، تتشابك الملفات بصورة تجعل أي دولة منفردة عاجزة عن إدارة المشهد وحدها، وهو ما يفسر حالة التشاور المستمرة بين القاهرة والرياض وأبوظبي باعتبارها العواصم العربية الأكثر تأثيرًا في معادلة الاستقرار الإقليمي.
إسرائيل وإعادة تشكيل المنطقة بالقوة
منذ اندلاع الحرب في غزة، لم تعد المسألة مجرد مواجهة عسكرية مع الفلسطينيين، بل تحولت إلى مشروع إسرائيلي واسع لإعادة هندسة البيئة الاستراتيجية المحيطة بها.
إسرائيل تدرك أن لحظة الاضطراب الإقليمي تمنحها فرصة تاريخية لإعادة رسم التوازنات الأمنية والسياسية. ولذلك تسعى إلى فرض وقائع جديدة على الأرض، سواء في غزة أو في ملفات الأمن الإقليمي الأوسع.
لكن هذا التوجه يثير قلقًا متزايدًا لدى الدول العربية الكبرى، لأن أي تغيير جذري في خريطة المنطقة ستكون له تداعيات مباشرة على الأمن القومي العربي لعقود مقبلة.
إيران.. لاعب لا يمكن تجاهله
في المقابل، تواصل إيران توسيع نفوذها الإقليمي عبر شبكة واسعة من الحلفاء والقوى المتحالفة معها في أكثر من ساحة.
طهران تنظر إلى ما يجري باعتباره صراعًا على شكل الشرق الأوسط القادم، ولذلك تعمل على تثبيت حضورها السياسي والعسكري في المناطق الحيوية، وتوجيه رسالة واضحة مفادها أن أي ترتيبات إقليمية لا يمكن أن تتم دون أخذ المصالح الإيرانية في الاعتبار.
ومع تصاعد التوترات، أصبحت المنطقة تعيش معادلة شديدة الخطورة:
إسرائيل تسعى إلى تقليص النفوذ الإيراني.
وإيران تسعى إلى منع إسرائيل من فرض هيمنتها الإقليمية.
أما الدول العربية فتجد نفسها أمام تحدي حماية مصالحها دون الانجرار إلى مواجهة مباشرة مع أي من الطرفين.
الولايات المتحدة.. الحاضر الغائب
ورغم الحديث المتكرر عن تراجع الدور الأمريكي، فإن واشنطن ما زالت اللاعب الأكثر تأثيرًا في المعادلة.
فالولايات المتحدة لا تريد انفجارًا إقليميًا شاملًا يهدد مصالحها الاقتصادية والعسكرية، لكنها في الوقت نفسه تواصل دعم إسرائيل باعتبارها الحليف الاستراتيجي الأول في المنطقة.
هذا التناقض يجعل السياسة الأمريكية تسير على حبل مشدود:
دعم إسرائيل.
احتواء إيران.
منع انهيار الدول العربية الرئيسية.
الحفاظ على أمن الطاقة والممرات البحرية.
لكن المشكلة أن تحقيق هذه الأهداف كلها في وقت واحد أصبح أكثر صعوبة من أي وقت مضى.
لماذا يزداد التنسيق بين مصر والسعودية والإمارات؟
وسط هذه العاصفة الإقليمية، تدرك القاهرة والرياض وأبوظبي أن المنطقة تدخل مرحلة إعادة تشكيل قد تستمر سنوات.
هناك ملفات لا يمكن لأي دولة التعامل معها منفردة:
-
مستقبل غزة.
-
أمن البحر الأحمر.
-
استقرار السودان.
-
التوازن مع إيران.
-
مواجهة التحديات الاقتصادية.
-
حماية طرق التجارة والطاقة.
ومن هنا يصبح التنسيق بين الدول الثلاث ضرورة استراتيجية وليس مجرد خيار سياسي.
السودان.. القنبلة المؤجلة
وربما يكون الملف السوداني أحد أخطر الملفات المطروحة حاليًا.
فاستمرار الحرب يهدد الأمن القومي المصري بشكل مباشر، كما يهدد الاستثمارات والمصالح الخليجية، ويخلق فراغًا قد تستغله قوى إقليمية ودولية متعددة.
ولهذا تنظر القاهرة والرياض وأبوظبي إلى استقرار السودان باعتباره جزءًا من استقرار المنطقة كلها.
البحر الأحمر.. معركة الاقتصاد العالمي
لم يعد البحر الأحمر مجرد ممر مائي.
لقد أصبح أحد أهم ساحات الصراع الاستراتيجي في العالم.
أي اضطراب طويل الأمد في هذا الشريان الحيوي يعني خسائر اقتصادية هائلة للدول العربية وللتجارة الدولية، وهو ما يفسر الاهتمام المتزايد من القوى الإقليمية والدولية بأمنه واستقراره.
هل نحن أمام محور عربي جديد؟
السؤال الأهم ليس ما إذا كانت هناك قمة طارئة عُقدت أو ستُعقد.
السؤال الحقيقي هو:
هل تتجه مصر والسعودية والإمارات إلى بناء صيغة أكثر تماسكًا للتعامل مع مرحلة إقليمية غير مسبوقة؟
المؤشرات الحالية توحي بأن الدول الثلاث تدرك حجم التحديات القادمة، وأن استمرار التنسيق بينها أصبح ضرورة لحماية استقرار المنطقة ومنع انزلاقها إلى فوضى أوسع.
ولا يمكن ان نتغافل عن فهم طبيعة العلاقات الإقليمية الحالية دون التوقف أمام حالة الغضب الشعبي المتنامية داخل بعض البلدان العربية تجاه السياسات الإماراتية في عدد من الملفات الحساسة.
فخلال السنوات الأخيرة تصاعدت في الأوساط السياسية والإعلامية المصرية انتقادات واسعة “بحسب ما يتردد في الأوساط السياسية والإعلامية” لما يُنظر إليه على أنه دعم إماراتي لأطراف تتعارض تحركاتها مع المصالح والأمن القومي المصري، سواء في الملف الإثيوبي وما يرتبط بأزمة سد النهضة،
أو في السودان من خلال الاتهامات المتداولة بشأن دعم قوات الدعم السريع، أو في الساحة الليبية التي تمثل عمقًا استراتيجيًا مباشرًا للأمن المصري. وقد بلغت هذه المشاعر ذروتها عقب استشهاد قائد المنطقة الحدودية المصرية الجنوبية أثناء أداء مهامه على الحدود المصرية السودانية، “يرى منتقدون”ان الحادث الحادث أثار موجة غضب واسعة في الشارع المصري،
خاصة مع إعلان القاهرة لاحقًا أنها نجحت في الثأر لدمائه وتوجيه ضربات نوعية للمتورطين في العملية. ومنذ ذلك الحين برزت أصوات داخل مصر تطالب بإعادة تقييم بعض التحالفات الإقليمية وفق معيار واحد هو: مدى توافقها مع الأمن القومي المصري ومصالح الدولة المصرية العليا. ورغم أن العلاقات الرسمية بين القاهرة وأبوظبي ما زالت تحتفظ بطابعها الاستراتيجي، فإن المزاج الشعبي بات أكثر حساسية تجاه أي تحركات إقليمية يُعتقد أنها تمس الأمن المصري بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وهو ما يضيف بُعدًا جديدًا ومعقدًا إلى معادلات التحالفات في المنطقة.
لذلك لابد ان ننتبه ان :
الشرق الأوسط يقف اليوم بين مشروعين كبيرين:
مشروع القوة الذي تمثله إسرائيل مدعومة بالولايات المتحدة.
ومشروع النفوذ الذي تمثله إيران عبر امتداداتها الإقليمية.
وبين المشروعين تقف الدول العربية الرئيسية أمام اختبار تاريخي: إما أن تكون شريكًا في رسم مستقبل المنطقة، أو تتحول إلى مجرد ساحة تتصارع فوقها القوى الأخرى.
ولعل الرسالة الأهم في هذه اللحظة أن الخطر لم يعد في الخلافات العربية، بل في أن تستمر المنطقة في إعادة تشكيل نفسها بينما يكتفي العرب بدور المتفرج. فالتاريخ لا ينتظر المترددين، والخرائط الجديدة تُرسم الآن، لا غدًا.
