الحدود تشتعل بهدوء… والقرار اللبناني غائب

د. ليون سيوفي
باحث وكاتب سياسي

في زمنٍ تتبدّل فيه الخرائط قبل أن تُرسَم، لا تعود الحروب دائماً صاخبة، ولا تبدأ بالمدافع… بل بصمتٍ ثقيلٍ على الحدود. هناك، حيث يلتقي القلق بالجغرافيا، تتحوّل التحركات العسكرية إلى رسائل، والتعزيزات إلى إشارات إنذارٍ مبكر.

ما يجري اليوم على الحدود اللبنانية–السورية، وخصوصاً في منطقة القصير، لا يمكن قراءته كحدثٍ أمنيّ عابر. إنّه مشهدٌ يتجاوز مسألة ضبط حدود أو مكافحة تهريب، ليصل إلى مستوى إعادة تموضع استراتيجي في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، بعد الحرب الأخيرة التي أعادت خلط الأوراق بين الولايات المتحدة، إسرائيل، وإيران.

التقارير التي تتحدث عن تضاعف عديد القوات السورية في منطقة القصير خلال فترة قصيرة، ليست مجرد أرقام. إنها تعكس قراراً واضحاً من دمشق بإعادة الإمساك بحدود كانت، لسنوات، خارج السيطرة الفعلية. القصير ليست نقطة جغرافية عادية، بل عقدة ربط بين الداخل السوري والبقاع اللبناني، وبين خطوط الإمداد ومسارات النفوذ. من يسيطر عليها، يملك القدرة على التأثير… لا فقط أمنياً، بل سياسياً أيضاً.

لكن السؤال الأخطر الذي يُطرح اليوم: هل نحن أمام تمهيد لدخول عسكري سوري إلى لبنان؟

الجواب الواقعي: لا مؤشرات جدية على نية احتلال أو اجتياح مباشر. فـ Syria ليست في موقع يسمح لها بفتح جبهة جديدة، وهي التي لا تزال تعالج آثار حربٍ طويلة أنهكت اقتصادها ومؤسساتها. كما أن أي خطوة من هذا النوع ستعني مواجهة إقليمية ودولية مفتوحة، وهو ما لا يبدو أن دمشق تسعى إليه.

غير أن الخطأ يكمن في الاطمئنان المفرط.

فالخطر الحقيقي لا يأتي دائماً على شكل دبابات تعبر الحدود، بل عبر سيناريوهات أكثر تعقيداً:

قد تبدأ الأمور باشتباكات محدودة تتوسع تدريجياً، أو بملاحقات أمنية تتجاوز الخطوط الجغرافية، أو بصراع نفوذ غير مباشر يُدار على الأرض اللبنانية دون إعلان. وقد تتدخل Israel في أي لحظة إذا رأت أن هذه المنطقة تحوّلت إلى ممر استراتيجي يهدد أمنها، فتضرب، وتُشعل ما هو أصلاً قابل للاشتعال.

وهنا تكمن المعضلة الحقيقية.

لبنان ليس مهدداً لأنه ضعيف عسكرياً فقط، بل لأنه غائب سياسياً. القرار الوطني مشلول، والرؤية السيادية غائبة، والحدود مفتوحة لكل الاحتمالات. في ظل هذا الفراغ، تتحول الأرض اللبنانية إلى مساحة يستخدمها الآخرون لتبادل الرسائل، فيما يدفع اللبنانيون الثمن مرة جديدة.

إن ما يجري على الحدود اليوم ليس تمهيداً لاجتياح، بل إنذار مبكر لانكشافٍ أكبر. فحين تتحرك الدول من حولك، وتعيد ترتيب مواقعها، وأنت ثابت في مكانك… فأنت عملياً تتراجع.

الحدود لا تشتعل صدفة.
بل حين تغيب الدولة… تصبح كل الحدود قابلة للاشتعال.
والخطر ليس أن تدخل الجيوش إلى لبنان،
بل أن يبقى لبنان بلا قرار يحميه ..

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى