بعد الحروب والتخوين والاتهامات… هل نشهد مصالحة بين إيران وأميركا؟ وماذا عن إسرائيل ودول الخليج؟

بقلم : د. ليون سيوفي
باحث وكاتب سياسي
بعد عقود من العداء المعلن بين الولايات المتحدة وإيران، وبعد سنوات طويلة من الحروب والعقوبات والاغتيالات والاتهامات المتبادلة، يطرح كثيرون سؤالاً لم يعد مستحيلاً كما كان في السابق: هل يمكن أن نشهد يوماً مصالحة حقيقية بين واشنطن وطهران؟
قد يبدو السؤال صادماً للبعض، خصوصاً بعد كل ما شهدته المنطقة من صراعات دموية وانقسامات حادة، لكن قراءة التاريخ السياسي تُظهر أن الدول لا تبني سياساتها على العواطف، بل على المصالح. فكم من خصوم تقاتلوا لعقود ثم جلسوا إلى طاولة واحدة عندما تغيرت الظروف وتبدلت الحسابات.
إذا حصلت مصالحة أميركية – إيرانية فعلية، فإنها لن تكون مجرد اتفاق دبلوماسي عابر، بل ستكون حدثاً يعيد رسم جزء كبير من المشهد الإقليمي. فإيران التي واجهت عزلة وعقوبات وضغوطاً هائلة قد تجد نفسها أمام فرصة اقتصادية وسياسية جديدة، فيما قد ترى الولايات المتحدة أن إدارة الخلاف أقل كلفة من استمرار المواجهة المفتوحة.
لكن السؤال الأهم ليس إن كانت المصالحة ممكنة، بل من سيكون الرابح ومن سيدفع الثمن؟
إيران نفسها قد تضطر إلى تقديم تنازلات في ملفات حساسة تتعلق ببرنامجها النووي أو بنفوذها الإقليمي. وفي المقابل، قد تحصل على مكاسب اقتصادية واستراتيجية تساعدها على تجاوز سنوات من الضغوط.
أما إسرائيل، فستراقب أي تفاهم محتمل بقلق شديد إذا شعرت أن مصالحها الأمنية لم تعد أولوية مطلقة في الحسابات الأميركية. فتل أبيب بنت جزءاً كبيراً من استراتيجيتها خلال العقود الماضية على اعتبار إيران الخصم الإقليمي الأول، وأي تغيير جذري في العلاقة بين واشنطن وطهران سيجبرها على إعادة تقييم الكثير من حساباتها.
وفي دول الخليج، قد تختلف النظرة من دولة إلى أخرى. فبعض العواصم الخليجية قد ترحب بأي تهدئة تخفف مخاطر الحروب وتنعكس استقراراً اقتصادياً وأمنياً، بينما قد تخشى أخرى من أن يؤدي أي تقارب أميركي – إيراني إلى تعزيز النفوذ الإيراني في المنطقة على حساب التوازنات القائمة.
أما لبنان، فقد يكون من أكثر الدول تأثراً بأي تحول كبير من هذا النوع. فكل تسوية إقليمية كبرى كانت تنعكس تاريخياً على الداخل اللبناني بصورة أو بأخرى. وعندما تنتقل المنطقة من مرحلة الصراعات إلى مرحلة التسويات، تصبح الملفات العالقة داخل لبنان أكثر إلحاحاً، من السلاح إلى الاقتصاد والإصلاحات وبناء الدولة.
ومع ذلك، يجب التمييز بين “المصالحة” و”التحالف”. فحتى لو شهدنا تفاهمات واسعة بين واشنطن وطهران، فإن ذلك لا يعني انتهاء التنافس بينهما. فهناك ملفات تتجاوز القضية النووية، تشمل النفوذ الإقليمي والطاقة والممرات التجارية والعلاقة مع الصين وروسيا ومستقبل الشرق الأوسط كله.
لذلك، قد يكون السيناريو الأكثر واقعية هو الانتقال من مرحلة الصدام المباشر إلى مرحلة إدارة المصالح والخلافات، حيث تستمر المنافسة ولكن ضمن قواعد جديدة أقل خطورة وأكثر قابلية للضبط.
في النهاية، قد لا يكون السؤال الحقيقي: هل ستتصالح أميركا وإيران؟ بل هل أصبحت المنطقة، بعد كل هذه الحروب والدمار والخسائر، جاهزة للانتقال من منطق المواجهة الدائمة إلى منطق التسويات الكبرى؟
الأيام المقبلة وحدها ستكشف الجواب، لكن المؤكد أن الشرق الأوسط الذي عرفناه خلال العقود الماضية قد لا يكون هو نفسه الشرق الأوسط.