اليهو.. د سُرّاق العربية وأدبياتها
بقلم: حورية عبيدة
قَبْل الفتح العربي الإسلامي؛ كانت “الأرامية” لغة اليهو… د بالعراق، و’الكنعانية” لغتهم بالشّام، ولم يكن لديهم لغة تُعرف بالعِبر… ية، حيث لم يكن يملكون تراثًا مكتوبًا سوى شريعتهم ونصوص العهد القديم فقط، أما بقية إرثهم فكان شريعةً “شفهيةً” تتناقلها الأجيال، ولذلك كان مُحرّمًا عليهم التّفكير في أي شيء سوى الكتاب المُقدّس وكل ما عدا ذلك فهو كُفْرٌ وإلحاد !
عاش اليهو… د في ظل الأمن والسّلام الذي وفرته الشّريعة الإسلامية للمسلمين ولأهل الكِتاب ولغيرهم، فارتقوا في المناصِب الرسمية في الدّولة؛ خاصّة إبَّان الخلافة العباسية والدّولة الإسلامية في الأندلس؛ لدرجة أنّهم شغلوا خَمسة مناصب وزارية.
هذا الاستقرار ونتيجة لتحدثهم بالعربية كتابةً ومُخاطبةً؛ جعلهم يُعيدون التّفكير في شأن لغتهم؛ مُستفيدين مِنْ قواعد وأدبيات لغتنا العربية؛ وسَمّوا لغتهم بالعبرية، فكانت مزيجًا من: الكنعانية والأرامية والعربية، ووضعوا لها قواعد شبيهةً بقواعد لغتنا؛ بفضل العلَّامة اليهو… دي: “بن يوسف الفيومي”، ذلك المِصريّ الذي كان يعيش في بغداد.
اليهو… دية قلَّدت العربية في قواعِدها وحركاتِها، واقتبستْ حروفَها، والمَقامات، والأشعار الموزونة المُقفاة، والموشّحات الأندلسية، ورسائل إخوان الصَّفا، والتّفاسير القرآنية، ثم ألَّفوا الإسرائيليات لزرعِ الشَّك في عقيدة المُسلم !
اقتبسوا كذلك الحركات الإعرابية، لكنهم وضعوها تحت الحروف؛ وبدَّلوا بعض الأحرف؛ فحولوا الواو إلى: “فاء” مثل حوَّا ينطقونها: “حفا”، وحولوا “السّين:” إلى “شين” ليصبح موسَى: “موشَى”، لكن أبجديتهم لا تتضمن حروف (ذ غ ض ظ) العربية، دخلوا في حوارات ومُجادلات مع المسلمين، وردَّ عليهم ابن حزم الأندلسي (في الرّد على ابن النّغريلة اليهو… دي) ذلك اليهو… دي الذي كان يحاول زرع الشّك في قلب المسلم تجاه عقيدة الإسلام.
ونتيجة لاحتكاكهم بالعرب وبراعتهم في التّجارة وتقلبهم بين مختلف البقاع العربية والإسلامية؛ فقد كانت أحب هجراتهم إليهم الهجرة للأندلس؛ حيث الاستقرار والرّفاهية إبَّان الحكم العربي الإسلامي، فتأثروا بالأدب الأندلسي، وكتبوا موشحات باللغة العبر… ية على غرار العربية، واقتبسوا وقلَّدوا كذلك البِنية الشّعرية من مَقامات وأشعار مَوزونة مُقفاة.
لفتَ انتباههم تفاسير القرآن الكريم؛ فقاموا من فَورهم بوضع تفاسير لكتابهم المقدس، لكن الطّامَّة الكبرى كانت ظهور الاسرا… ئيليات في تفاسير المسلمين؛ وقد جاءت وتَفشَّت بيننا بطريقين: الأولى عن غير قصدٍ؛ وكانت عن طريق اليهو.. د الذين دخلوا الإسلام، حيث نقلوا معهم معتقداتهم الدّينية القديمة، معتقدين أنّهم يساهمون في تفسير القرآن الكريم.
أمّا الذي عن قصدٍ؛ فتمَّ بغرضِ تشويه عقيدة المسلمين، وقامت محاولات فردية للتنقية من تلك الإسرا… ئيليات؛ مثلما فعل الشّيخ “الذّهبي” -رحمه الله- في أحد كُتبه، لكنها ما زالت متفشية في تراثنا وتحتاج للتدقيق والتّمحيص، خاصةً وقد ساهم بعض علماء العرب والمؤرخين والفلاسفة وأعطوها زَخمًا أدبيًّا ممّا أدى إلى انتشارها بشكلٍ كبيرٍ بكل أسَف.
في العصر العباسي؛ تغير اسم اليهو… د مِن: “أصحاب الدّيانة المُوسوية” إلى “اليهو… د”… واستغلوا حركة التّرجمة الدؤوبة -آنذاك- فقاموا بترجمة: الأسْفار اليهو… دية؛ والتّلمود؛ والتّوراة دون وَجَل، نظرًا لمُناخ الحرية والقُدرة على التّعبير السّائد في ذلك الوقت، فنَسخوا وترجموا علوم الفلسفة والطّب والأدب والهندسة؛ ونقلوها لأوروبا خاصةً بعد إنشاء المدارس في صَقلية وغيرها، وأخذوا الكثير من مُفردات اللغة العربية نظرًا لعجز لغتهم عن الوفاء بتلبية بعض المعاني والمُصطلحات الدقيقة، فنقلوا الكلمات العربية بنفس هيئتها وفيما بعد ترجموها بالعبر… ية.
فمثلًا؛ نرى: “سليمان بن جابرول” الذي تعلّم وكَتبَ بالعربية عن الفلسفة، وكذا كتابات: “عمر بن يوسف بن الصّديق” متأثرًا برسائل إخوان الصَّفا، كما كتب: “يهو… دا اللاوي” بالعربية كتابه: “الحُجة والدّليل في نصر الدين الذّليل”، وألّف “موسى بن ميمون”: ”دلالة الحائرين”، كما كَتب “الحريزي”: مَقامات عبر… ية على نَسَق مَقامات “الحَريري” العربية، وكذا حاول نحو ستة وستين أديبًا يهو… ديًّا لكنهم فشلوا !
يقول مؤرخ غربي معاصر من أصل يهو… دي: “أهمية اليهو… د في التّاريخ الإنساني أنّهم وسَطاء الحضارة، فهم لم يبدعوا حضارة مستقلة، لكنهم كانوا مترجمين”.
ويقول س. وسرستردم: “إن المسلمين قدَّموا للجماعة اليهو… دية الوسائل الثّقافية والاجتماعية فحافظوا بها على استمرارِنا”.
أما “ليوبك” أحد زعماء الحركة اليهو… دية الإصلاحية المُعاصرة فيُصرِّح قائلاً: “إنّ اليهو… د مُدانون ومُمتنون للحضارة العربية، ويجب أن يعتبروا هذا الامتنان فريضة من فرائض الله لا يجوز أن ينسوها”.
والمستشرق المعروف: “برنارد لويس” الذي يوجّه دائم النّقد غير الودي للإسلام والمسلمين فيقول: “في موضوع الفلسفة وعلم الكلام -الثيولوجي- يمكننا أن نقول بدون تردّد أن التّأثير كان من الإسلام على اليهو… دية وليس العكس، وأنَّ قِسمًا كبيرًا من المُفردات العبرية أصلها عربي، خاصة الفلسفية والعلمية وهذا ليس بغريب؛ فأصْل اللغتين واحد.
كان تأثير المسلمين على اليهو… دية أبْعد من مجال العلوم والآداب والفكر؛ لأنه أثّر كذاك على الطّقوس الشّعائرية والفن والرّسم، وفي عالَم المصطلحات يستخدمون ألفاظًا مثل: “النَّسخ، و باسم الله، وإمام، وأئمة، وطور سينين، والقدس” في ترجماتهم.
وحتى: “التّصلية على الرّسول” يستخدمونها عند ذكر النّبي “موسى” عليه السّلام… ويوم الدّين بمعنى يوم القيامة… والوقوف بمعنى مُعَمّد”.
وكذا ناقشوا موضوع “الشّفاعة” عندهم تأثرًا بالفكر الإسلامي، وعندهم يوم الكفور وهو يوم الغُفران، بل ويستخدمون اسم شهر “رمضان”… وباهتمامِهم بالتّفاسير التّورا… تية متأثرين بالتّفاسير
القرآنية تحول الكثير منهم للإسلام.