هل كانت الصواريخ ذريعة… أم أنّ الحرب كانت تبحث عن ذريعة أصلًا؟

بقلم : د. ليون سيوفي

باحث وكاتب سياسي

 

ما زال النقاش يدور في لبنان حول الحرب الأخيرة، ويحاول البعض تبرير ما فعلته إسرائيل وكأنّ تدمير الجنوب وسقوط الضحايا وتهجير الناس كان “ردًّا طبيعيًا” على بضعة صواريخ خرجت من الجنوب ولم تتجاوز حتى الحدود اللبنانية.

 

وكأنّ إسرائيل كانت تعيش حالة سلامٍ مع لبنان، ثم قرّرت الحرب فقط بسبب تلك الحادثة.

 

لكن هذا الطرح يتجاهل حقيقة يعرفها التاريخ جيدًا:

إسرائيل لم تبدأ حروبها على لبنان بسبب حادثة واحدة، ولا بسبب حزبٍ معيّن فقط، بل لأنّ لبنان كان دائمًا جزءًا من حساباتها الأمنية والعسكرية والسياسية.

ويتناسى البعض أنّ إسرائيل اجتاحت لبنان عام 1982 بعد محاولة اغتيال السفير الإسرائيلي في لندن، رغم أنّ الدولة اللبنانية لم يكن لها أي ضلعٍ في العملية أصلًا، ورغم أنّ الجهة المنفذة لم تكن لبنانية، ومع ذلك استُخدمت الحادثة ذريعة لاجتياح بلدٍ كامل والوصول إلى بيروت.

فهل كان لبنان حينها مسؤولًا فعلًا؟

وهل كانت إسرائيل تحتاج إلى سببٍ مباشر، أم كانت تبحث عن اللحظة المناسبة لتنفيذ مشروعها العسكري والسياسي

بل حتى قبل ولادة حزب الله، كان الجنوب اللبناني يعيش تحت القصف والاعتداءات والاحتلال، وكانت إسرائيل تنفّذ عمليات عسكرية داخل الأراضي اللبنانية متى أرادت.

لذلك، حين يقول البعض اليوم إنّ “عدة صواريخ” هي التي دمّرت لبنان، فهم يتجاهلون تاريخًا كاملًا من الصراع، وكأنّ المشكلة بدأت بالأمس فقط.

نعم، من حقّ أي لبناني أن يناقش القرارات العسكرية أو يختلف سياسيًا حول توقيت أي مواجهة أو طريقة إدارتها، فهذا نقاش طبيعي داخل أي وطن.

لكن الخطير هو أن يتحوّل هذا النقاش إلى تبرئة كاملة لإسرائيل، وكأنّها لم تكن يومًا صاحبة مشروع عدواني تجاه لبنان.

فالعدو الذي اجتاح بيروت سابقًا، واحتل الجنوب، وقصف المدنيين، وارتكب المجازر، لا يمكن اختصار سلوكه بأنه مجرد “ردّ فعل” على حادثة معينة، لأنّ منطق القوة والتفوق العسكري كان دائمًا جزءًا من عقيدته في المنطقة.

والمؤلم أكثر، أنّ البعض أصبح يناقش الأمور وكأنّ المشكلة الوحيدة هي “كيف استفززنا إسرائيل”، لا كيف تحوّل القصف والاختراق والتهديد الدائم للبنان إلى أمرٍ يعتبره العدو حقًّا طبيعيًا له.

فحتى لو اختلف اللبنانيون على السياسة والسلاح والاستراتيجيات، يبقى هناك فرقٌ كبير بين النقاش الوطني، وبين السقوط في تبرير العدوان أو محو ذاكرة الاحتلال والدمار.

لأنّ أخطر ما قد يحدث لأي شعب، أن ينسى تدريجيًا من كان يحتل أرضه… ومن كان يدفع ثمن ذلك الاحتلال من دماء أبنائه..

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى