قـرامـيـط الفجر … قصة لـ … علي مقلد

انشق سكون الفجر في القرية على زحامٍ صامت عند باب المئذنة، كان “بدوي إبراهيم” بائع السمك يزاحم جاره “طاهر” بالأكتاف؛ لم يكن النزاع على دنيا، بل على مَن يملك الحق في قبض يده على الميكروفون ليمنح القرية نداءها الأول.

علي مقلد

انتهت المعركة بقبضة بدوي القوية التي حسمت الموقف، وانطلق صوته الرخيم شجياً يملأ الآفاق، بينما كانت عيناه تلاحقان جاره المنكسر بنظرة باردة ليست فاتحة، بل نظرة مَن يملك “اليقين”، أمّ المصلين بوقارٍ مهيب، ثم غادر المسجد يحرك سبحته الطويلة متوجهاً إلى الشادر القديم على ضفاف النيل.
في الشادر، كان بدوي هو “الميزان”؛ يجلس في صدر الحلقة، يفتل شاربه ويوزع أحكاماً قاطعة في السياسة والدين، مالت رأسه نحو جاره “عباس” الجزار، وهمس وهو يرمق طاهراً بطرف عينه: “يا حسرة على مَن يدخل المسجد ليرائي الناس.. الله لا يسمع الحناجر يا عباس، الله يرى النوايا”.
وفجأة، التفت ليزجر صبياً تأخر في إحضار الشاي بلفظٍ فجّ خدش وقار مسبحته، قبل أن ينهض ليتحسس “شروة” من سمك القراميط السوداء، ويحملها على دراجته المتهالكة نحو القرى القابعة تحت سفح الجبل.
عند شجرة جميز عتيقة، انتحى بدوي جانباً، وبأصابع خبيرة كأنها أصابع جراح، بدأ يدفع حبات زلط ملساء في بطون السمك، ومع كل حبة تستقر في الجوف، كان يدندن بصوتٍ خفيض، كمن يُنشد “ورداً” صوفياً يواسي به نفسه:
خفّ السمك في الكِفّة.. والبحر ماله قرار
ولجل النجاة يا با.. لازم نواصل المشوار
كان يتبع نشيده بترتيلٍ حزين لآيات من “سورة المطففين”، وكأنه يمارس طقساً مقدساً لتحقيق توازن كوني بين خفة الروح وثقل المادة، ويهمس بين الآية والأخرى: “الأرزاق تحب الخفية.. والنية هي الميزان”.
عقب صلاة العصر، اعترضه رجل ضخم الجثة، ألقى أمامه بضع زلطات لزجة وصرخ بمرارة:
“يا عم بدوي، اتقِ الله! القراميط التي بعتها لي جوفها مرصوف بالحصى.. أهذا سمك أم رصيف يا رجل؟”
لم يهتز لـ “بدوي” جفن. مسح وجهه بكفه ونظر للرجل بنظرة إشفاق باردة، ثم تنهد بعمق:
“يا أخي، الأرزاق عطايا الخلاق، بالأمس فقط، وجد رجل في بطن سمكة اشتراها مني خاتماً ذهبياً! ، لم يتقاسمها معي بل حمد الله على العطية، ثم ربت على كتف الرجل وقال بحنو مبالغ فيه : السمك يبلع ما يلقيه الموج؛ أحدهم يرزقه الله بالذهب لأنه استبشر، وآخر.. ينال نصيبه من الحصى لأن ضميره ليس صافياً، استغفر ربك لعل الحجر يلين في يدك غداً.”
ارتبك الرجل، وتجمدت كلمات اللوم أمام هذا المنطق المسكوب بماء الدين، بينما أومأ الجالسون برؤوسهم استسلاماً لهذا الغموض الذي يغلف كلماته.
كان “طاهر” يراقب المشهد بصمت، التقط زلطة سقطت من حقيبة بدوي، مسح عنها الطين، وجدها ملساء وباردة، فوضعها في جيبه وعاد إلى المسجد.. في صلاة المغرب، وقف طاهر خلف بدوي، وحين سجد، أحس بالزلطة في جيبه تضغط على فخذه، ثقيلة كالحقيقة، بينما كان صوت بدوي في المحراب يزداد قدسية وعذوبة، محلقاً فوق الرؤوس.
تساءل طاهر وهو ساجد: “أيهما الحقيقي؟ هذا الصوت الذي يفتح أبواب السماء، أم الحجر الذي يسكن الجيوب والأمعاء؟ وهل يمكن لروح بدوي أن تحلق بكل هذا الجمال وهي محشوة بكل هذا الرصاص؟”
انتهت الصلاة، وخرج الجميع يمسحون وجوههم ببركة دعاء “صاحب الميكروفون” وقف طاهر في الظلمة، أخرج الحجرة وألقاها في النيل بيأس.. أحدثت الزلطة دوائر قلقة، توسعت وتوسعت حتى ابتلعت انعكاس المئذنة الشاهقة على سطح الماء، وبقي السؤال معلقاً في الهواء: هل الحقيقة هي ما نراه، أم ما نبتلعه؟

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى