السيسي فى موسكو : سلاحك لاثيوبيا لن يحمى السد من قرار القاهرة

إسرائيل هي إسرائيل.. والحرب القادمة ليست في غزة

إعداد وتحليل: علي خليل – القاهرة| 29 أكتوبر 2026
سو-35فوق النيل ..واس400 فوق غزة .. من يبيع لمن ؟
مصر ليست محاصرة .. مصر هى الحصار؟!!
ما حدث في 27 أكتوبر في إسرائيل لم تكن انتخابات انما انهيار نظام.
53 مقعداً لنتنياهو، و48 لآيزنكوت، و19 للعرب، ووتل ابيب لا يملك 61.
بهذه الأرقام الباردة، دخلت إسرائيل رسمياً مرحلة الشلل الكامل. برلمان منقسم على نفسه، ومعسكران عاجزان عن الحسم، وصوت عربي صعد بقوة لكنه لا يزال خارج معادلة الحكم.
والأخطر ليس في من فاز ومن خسر، بل في من سيحكم غداً: حكومة تصريف أعمال، بلا تفويض شعبي، بلا أغلبية برلمانية، بلا أفق سياسي، هي التي ستقرر مصير الحرب والسلم في غزة.
- وهذه – أخطر من حكومة يمين متطرف مستقرة، لأن حكومة اليمين نعرف وجهتها، أما حكومة الفراغ فلا تعرف إلا لغة واحدة: تصدير أزمتها إلى الخارج، ولو كان الثمن دماء غزة.
وفي هذا الفراغ الدستوري، يُترك قرار الحرب في غزة بيد حكومة منتهية الصلاحية، تبحث عن شرعيتها في صور الدمار، وتستمد بقاءها من استمرار القصف. وهذا هو الرعب الحقيقي: أن يصبح مصير مليوني إنسان في غزة رهناً بحسابات بقاء سياسي لرجل يصارع السجن والمحاكمة.
1- إسرائيل بعد الاستقرار المزيف
إسرائيل مستقرة أمنياً فقط، لكنها مفككة سياسياً. نتنياهو أطول رؤساء الحكومة بقاءً يصارع للبقاء رغم تراجع معسكره، والمعارضة بلا برنامج سوى “إسقاط نتنياهو”.
وهنا الخدعة: سواء نجح في تشكيل حكومة يمينية قوية كما دعا، أو فشل ودخلنا انتخابات جديدة، النتيجة واحدة في ملف غزة: لا انسحاب، لا حل، فقط إدارة للأزمة بالقصف والتجويع والحصار، لأن أي حل سياسي سيفجر الائتلاف أياً كان شكله.
إسرائيل هي إسرائيل. تتغير الوجوه، تبقى العقيدة: غزة يجب أن تظل محاصرة، والضفة يجب أن تظل مقسمة.
2- لماذا السيسي في موسكو في هذا التوقيت بالذات؟
الرئيس السيسي توجه إلى موسكو يومي 28 و29 أكتوبر لترؤس وفد مصر في القمة الروسية – الأفريقية الثالثة.
التوقيت ليس صدفة… ( 3 ) رسائل في زيارة واحدة:
الرسالة الأولى لتل أبيب: أنتِ مشغولة بتشكيل الحكومة، أنا أعيد رسم خريطة حلفائي. القاهرة لن تنتظر إذن من حكومة إسرائيلية ( معلقة ) لتحمي أمنها القومي.
الرسالة الثانية لواشنطن: التبادل التجاري بين مصر وروسيا قفز 60% في 2026. يعني العقوبات الغربية على موسكو لم تمنع القاهرة من الشراء والبيع. مصر تقول لأمريكا: لو ضغطتِ عليّ في ملف غزة والتهجير، عندي البديل الروسي.
الرسالة الثالثة لأديس أبابا: القمة عنوانها أفريقيا، ومصر ستحول ملف سد النهضة من ملف ثنائي إلى ملف قاري أمام كل القادة الأفارقة، في حضرة بوتين نفسه.
3- طائرات روسيا لإثيوبيا..!
وهنا عبقرية ووقاحة السياسة الروسية. في نفس يوم وصول السيسي، آبي أحمد يعلن: تسلمنا 12 مقاتلة سو-35 روسية وسنتسلم 4 منظومات إس-400.
والأخطر: التحليلات العسكرية تقول إن جزءاً كبيراً من منظومات الدفاع الجوي موجهة لحماية سد النهضة
المشهد يبدو متناقضاً، لكنه ليس إهانة لمصر، بل اعتراف بحجمها.
بوتين يدرك أن مصر هي الدولة الوحيدة في المنطقة القادرة على ضرب سد النهضة وإنهاء الأزمة في غزة في نفس الأسبوع. لذلك هو لا يسلح إثيوبيا ضد مصر، هو يحاول أن يربط يد مصر قبل أن تتحرك وحدها.
تقرير النهار قال: “الهدية ليست موجهة ضد مصر مباشرة، بل لضمان بقاء موسكو لاعباً رئيسياً”. والحقيقية: روسيا تخاف من تحرك مصري منفرد، فتعطي إثيوبيا درعاً جوياً حتى تضطر القاهرة للعودة إلى موسكو كوسيط، لا كخصم.
لكن حساب بوتين ناقص. مصر التي بنت الضبعة النووية مع روسيا، ونوعت سلاحها بين فرنسا وألمانيا وأمريكا، وتملك جيشاً مصنفاً ضمن العشرة الأوائل، لا يمكن احتواؤها بهدية سلاح.
السيسي ذهب إلى موسكو وهو يعلم بصفقة السوخوي. ذهب ليقول لبوتين على نفس الطاولة: سلاحك لإثيوبيا لن يمنعني، لكن شراكتك معي هي التي ستمنع المنطقة من الانفجار. مصر لا تشتري سلاحاً، مصر تشتري وقتاً وقراراً مستقلاً.
بوتين يبيع السلاح للطرفين، لكن مصر وحدها هي من تملك قرار الحرب والسلام في الطرفين: في غزة وفي النيل.
من القاهرة.. حين تصافحت طهران مع العالم تحت سقف مصري
لم يكن لقاءً عادياً. في قصر الاتحادية، عقد الرئيس السيسي لقاءً ثلاثياً مع وزير الخارجية الإيراني ومدير عام الوكالة الدولية للطاقة الذرية، رحب فيه بالزيارة المشتركة التي تأتي تتويجاً للمسار التفاوضي الذي انطلق في أغسطس 2025 بوساطة مصرية.
إيران التي تحارب إسرائيل وأمريكا، جلست مع الوكالة التي تتهمها، لكنها لم تجلس في جنيف ولا في فيينا.. جلست في القاهرة. ووزير خارجية إيران نفسه وجّه رسالة شكر لمصر على احتضانها اللقاء، وقال إن إطار التعاون أصبح ممكناً بفضل مساعي القاهرة.
هنا تفهم حجم مصر. القاهرة التي ترعى اتفاق وقف الحرب في غزة، هي نفسها التي ترعى اتفاقاً نووياً بين إيران والوكالة الدولية رغم الحرب الإسرائيلية – الإيرانية.
إسرائيل تريد المنطقة ساحة حرب، والقاهرة تريدها طاولة مفاوضات. ولهذا إسرائيل هي إسرائيل.. تريد أن تطلق آلة الحرب، ومصر تريد أن تطلق آلة الدبلوماسية، ومن قلب القاهرة.
4- غزة.. الضحية وورقة التفاوض
هنا يلتقي الملفان. إسرائيل تريد غزة بلا حماس لكن بلا دولة. روسيا تريد غزة ورقة تفاوض مع إسرائيل لانتزاع اعتراف بنفوذها في سوريا وأفريقيا. إثيوبيا تريد غزة مشتعلة لتنشغل مصر بها عن النيل.
ومن هنا نفهم لماذا طائرات إثيوبيا وسد النهضة وغزة في مقال واحد.
لو ضربت مصر سد النهضة، ستحتاج غطاءً جوياً وسياسياً. الغطاء السياسي الروسي الآن مشكوك فيه لأنه يسلح خصمك. والغطاء الأمريكي مشروط بسكوتك عن التهجير من غزة.
إذن مصر مقيدة من الجنوب والشرق في نفس اللحظة.
5- من الرابح الأخير؟
ليس إسرائيل. إسرائيل خسرت حتى لو فاز نتنياهو، لأنها ستبقى دولة بلا حكومة، وجيش بلا غطاء سياسي.
ليس إثيوبيا. 12 طائرة سو-35 لن تملأ بحيرة سد النهضة إذا قررت مصر وإرتريا والسودان خنقها لوجستياً.
الرابح هو من يفهم أن الحرب القادمة ليست حرب دبابات، بل حرب طائرات مسيرة وسدود ومياه.
روسيا رابحة تكتيكياً، خاسرة استراتيجياً لأنها ستصطدم بمصر عاجلاً أم آجلاً.
ومصر – لو أحسنت اللعب – هي الرابح الوحيد القادر على تحويل زيارة موسكو إلى صفقة: أنتِ تعطين إثيوبيا S-400، أعطني أنتِ أيضاً ما يحمي سماء أسوان والسد العالي، وإلا سأفتح الباب للصين وفرنسا.
من الاخر :
إسرائيل هي إسرائيل.. دولة انتخاباتها لا تنتج سلاماً، بل تنتج فراغاً، والفراغ في تل أبيب يملؤه سلاح روسي في أديس أبابا.
السيسي لم يذهب لروسيا ليصافح بوتين. ذهب ليقول: أنا أفهم اللعبة. أنتم تسلحون خصمي، وأنا أبتسم في الصورة، لكن حساب المياه لن يحسم في موسكو، بل في القاهرة.
وغزة؟ غزة هي البوصلة. من ينساها في تحليل سد النهضة وطائرات روسيا، لم يفهم شيئاً.