إلى أين تذهب إسرائيل؟

مقال تحليلي جامع للمشهد بعد انتخابات 27 أكتوبر 2026
أين غزة من كل هذا؟ ومن يوقف نهر الدماء؟
إعداد وترجمة: هالة أبو سليم – غزة المنكوبة
الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة لا تحدد من فاز بالأصوات، بل من يستطيع تجميع 61 مقعدا. وهذا هو جوهر المأزق الحالي. الليكود أولاً في الأصوات، لكنه ليس أولاً في القدرة على الحكم، والمعارضة تملك الأرقام نظرياً لكنها ممزقة بين رفض نتنياهو ورفض بعضها البعض، وبين ورقة الـ 19 مقعداً العربية التي يمكن أن تغير المعادلة ويدفع ثمنها السياسي غالياً.
هذا تحليل لما نشرته الزميلة هالة أبو سليم – غزة، نقلاً عن ذا ميديا لاين، جيروزاليم بوست، وواي نت.
1- لماذا الفائز بالأصوات قد يخسر السلطة؟
النظام الإسرائيلي نسبي بالكامل. لا دائرتين ولا جولة إعادة. المواطن يصوت للحزب، والحزب يحصل على مقاعد بنسبة أصواته. ومن يحصل على 61 مقعداً يشكل الحكومة.
لهذا حدثت المفارقة التي ذكرها تحليل ستيفن جانوت:
في 2021 فاز الليكود بـ 30 مقعداً مقابل 17 ليش عتيد، لكن من أصبح رئيس وزراء؟ نفتالي بينيت الذي لم يملك حزبه “يمينا” سوى 7 مقاعد. لأنه استطاع أن يجمع ائتلافاً من 8 أحزاب من اليمين والوسط واليسار والحركة الإسلامية “رعام” على هدف واحد: إسقاط نتنياهو. الائتلاف انهار بعد عام، لكنه أثبت القاعدة: في إسرائيل التحالفات أهم من صناديق الاقتراع.
في انتخابات الثلاثاء الماضي، نسبة المشاركة 77.7% وهي الأعلى منذ أكثر من 20 عاماً. الرسالة واضحة: المجتمع الإسرائيلي مستقطب ومتعب ويريد حسماً، لكن النتائج الأولية لا تعطي لا لنتنياهو ولا لغادي آيزنكوت – زعيم كتلة “ياشار” – طريقاً واضحاً لـ 61.
2- ثلاثة سيناريوهات أمام إسرائيل
السيناريو الأول: حكومة وحدة صهيونية واسعة – نتنياهو + آيزنكوت + بينيت
هذا ما دعا إليه الرئيس إسحاق هرتسوغ يوم الأربعاء، وما نقلته افتتاحية جيروزاليم بوست: “لماذا لا يجلس الثلاثة ويتحدثون؟”
المنطق: حكومة مستقرة، بدون الحاجة للأحزاب المتطرفة، ترضي واشنطن، وتفتح الباب لاتفاقيات تطبيع جديدة.
العقبة: شخصية وسياسية وليست أيديولوجية فقط. آيزنكوت خاض حملته على شعار “استبدال نتنياهو”. أنصاره سيعتبرون الجلوس معه خيانة. وهناك ملفات لا يمكن القفز عليها: مسؤولية 7 أكتوبر، محاكمة نتنياهو الجنائية، قانون التجنيد. وأي اتفاق سيحتاج التزامات صريحة حول سيادة القانون واستقلال المؤسسات.
السيناريو الثاني: حكومة معارضة مدعومة من الخارج بالأصوات العربية
وهنا المفاجأة الجديدة. حسب موقع واي نت، الأحزاب العربية مجتمعة ستحصل على 19 مقعداً بفضل مشاركة عربية غير مسبوقة.
القائمة المشتركة أعلنت رسمياً مساء الأربعاء: مستعدون للمساعدة في إسقاط نتنياهو حتى من دون وزارات ومن دون الدخول في الائتلاف، مقابل التزامات في قضايا المجتمع العربي – ميزانيات، عنف، إسكان، اعتراف بقرى.
المشكلة لدى آيزنكوت: هو وضع شرطين لدخول حكومته: الاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية، والاعتراف بحماس كمنظمة إرهابية يجب تفكيكها. هذا يجعل الائتلاف الرسمي مع القائمة صعباً، لكن الدعم من الخارج – كما فعلت رعام سابقاً – يبقى ممكناً.
رد الليكود كان التشكيك في شرعية الأصوات العربية نفسها، وهي لعبة قديمة لتخويف شركاء آيزنكوت اليمينيين من الاعتماد على العرب.
السيناريو الثالث: جمود ثم انتخابات سادسة وسابعة
إذا فشل السيناريوان، ندخل دوامة عدم اليقين التي حذر منها هرتسوغ. وهذا يعني استمرار حكومة تصريف أعمال، شلل في القرار الأمني والاقتصادي، وتآكل إضافي للثقة.
3- أين غزة من كل هذا؟ ومن يوقف نهر الدماء؟
هنا يرتبط الداخل الإسرائيلي بالخارج مباشرة. تقرير واشنطن بوست المنقول يقول إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يريد حكومة إسرائيلية بدون إيتامار بن جفير وبتسلئيل سموتريتش، ويعتبر عنف المستوطنين عقبة أمام مشروعه الدبلوماسي الإقليمي.
المعنى: واشنطن لا تريد حكومة يمين متطرف تعرقل صفقة إقليمية أوسع تشمل غزة والضفة والتطبيع مع السعودية. وهي تدفع – عبر قنوات خلفية – نحو حكومة وحدة.
لذلك فإن سؤال “إلى الجحيم أم إلى السلام” ليس شعاراً:
- حكومة تعتمد على بن جفير وسموتريتش = استمرار التصعيد في غزة والضفة، عزلة دولية متزايدة، لكنها ترضي القاعدة اليمينية المتشددة.
- حكومة وحدة واسعة بدونهم = فرصة لتهدئة، لصفقة أسرى ووقف إطلاق نار أطول، لإعادة إعمار، لكنها ستدفع ثمناً سياسياً داخلياً باهظاً وستتهم بالتنازل.
لا يوجد طرف واحد “يوقف نهر الدماء” بقرار منفرد. المعادلة أصبحت ثلاثية: قرار إسرائيلي داخلي مرتبط بمن يشكل الحكومة، ضغط أمريكي مرتبط بمصالح ترامب الإقليمية، وقدرة الوسطاء على فرض التزامات على حماس وإسرائيل معاً.
4- التعليم والخلاصة
ما يجب أن يتعلمه المتابع العربي من هذه الانتخابات:
- إسرائيل لا يحكمها حزب واحد حتى لو فاز. يحكمها فن بناء التحالفات.
- الصوت العربي أصبح بيضة القبان رياضياً – 19 مقعداً يمكنها أن تمنع 61 عن نتنياهو – لكنه لا يزال مرفوضاً رمزياً من الطرفين.
- أمريكا لم تعد متفرجاً. هي لاعب مباشر في تحديد شكل الائتلاف القادم.
إسرائيل الآن أمام مرآة: إما أن تختار حكومة ضيقة متطرفة تذهب بها إلى مزيد من الحروب والانقسام الداخلي، أو حكومة وحدة قاسية ومتناقضة تمد يداً حذرة للسلام الداخلي والخارجي لأنها مضطرة، لا لأنها مقتنعة.
الانتخابات انتهت. المفاوضات التي ستحدد مصير غزة والمنطقة بدأت الآن.