مروة أحمد عبد العليم: القمة الروسية-الأفريقية الثالثة.. طموحات شراكة استراتيجية في عالم متغير

من سوتشي إلى موسكو.. مسار استعادة النفوذ

لم تكن القمة الروسية-الأفريقية الأولى في سوتشي 2019 مجرد حدث بروتوكولي، بل كانت تتويجاً لمسار بدأته موسكو لاستعادة حضورها في القارة بعد فترة تراجع طويلة أعقبت تفكك الاتحاد السوفيتي.

فبعد ذروة العلاقات في زمن الحرب الباردة، حين دعمت موسكو حركات التحرر الوطني بالسلاح والتمويل والخبراء، دخلت العلاقات مرحلة فتور في التسعينيات، قبل أن تعود روسيا لاكتشاف أفريقيا مجدداً مع بداية الألفية عبر زيارات الرئيس بوتين لمصر والجزائر والمغرب وجنوب أفريقيا.

التحول النوعي جاء مع تأسيس آلية منتظمة: قمة كل ثلاث سنوات ومنتدى للشراكة، لنقل العلاقات من تعاون ثنائي متفرق إلى إطار مؤسسي.

في سوتشي شاركت 54 دولة أفريقية وجرى توقيع 92 اتفاقية بقيمة تجاوزت تريليون روبل. وفي القمة الثانية بسان بطرسبرج 2023، كان الشعار هو الانتقال من الحوار السياسي إلى الشراكات العملية طويلة الأمد.

واليوم تنعقد القمة الثالثة في موسكو يومي 28 و29 أكتوبر، في لحظة اختبار حقيقية: هل تستطيع روسيا تحويل الخطاب إلى مشروعات ملموسة تلبي تطلعات أفريقيا في التنمية والسيادة؟

لماذا أفريقيا الآن؟ أهداف القمة الثالثة

تنعقد القمة في سياق جيوسياسي معقد. بعد الحرب في أوكرانيا والعقوبات الغربية، باتت أفريقيا أولوية قصوى للسياسة الخارجية الروسية، ليس فقط كسوق للسلاح ومصدر للموارد، بل كمساحة لإثبات أن موسكو قوة لا يمكن عزلها.

لخصها بوتين في نادي فالداي بعبارة “التطور معاً”، وهي رسالة تحاول موسكو من خلالها تقديم نموذج بديل للنموذج الغربي، يقوم – بحسب الرؤية الروسية – على المصالح المشتركة واحترام السيادة بعيداً عن الإرث الاستعماري.

وتتمحور أجندة القمة حول 4 محاور:

1. الاقتصاد والتجارة: زيادة التبادل التجاري المتواضع حالياً عبر قطاعات الطاقة والزراعة والتعدين والبنية التحتية وتكنولوجيا المعلومات.

2. الأمن ومكافحة الإرهاب: خاصة في منطقة الساحل. تقدم روسيا نفسها كشريك أمني بديل، عبر التعاون العسكري والتدريب، لكن التحدي هو ربط هذا التعاون بتحقيق الاستقرار وليس بتغذية التنافس الدولي.

3. التعليم والثقافة والإنسان: توسيع المنح الدراسية، وفتح فروع للجامعات الروسية، وإنشاء مراكز ثقافية. ومن المبادرات اللافتة: الكونسورتيوم الروسي-الأفريقي للتعليم التقني العالي، وبرنامج ماجستير “إدارة مرافق استخدام باطن الأرض” بجامعة سان بطرسبرج للتعدين لتأهيل كوادر أفريقية في إدارة الموارد الطبيعية.

4. التنسيق السياسي: الاستفادة من الثقل التصويتي الأفريقي في الأمم المتحدة، وتقديم موسكو كشريك يدعم نظاماً متعدد الأقطاب تكون فيه أفريقيا فاعلاً لا متلقياً للمساعدات.

الفجوة بين الطموح والواقع.. 3 تحديات رئيسية

رغم الزخم، تواجه موسكو عقبات جوهرية:

أولاً: ضعف التبادل التجاري
بلغ حجم التجارة الروسية-الأفريقية نحو 27 مليار دولار عام 2025، استحوذت مصر وحدها على 39% منه. الرقم ضئيل مقارنة بـ 385 مليار دولار مع الاتحاد الأوروبي و348 مليار مع الصين. المنافسة في أفريقيا لا تحسم بعدد الاتفاقيات، بل بالتمويل والتكنولوجيا والقدرة على التنفيذ في الموعد.

ثانياً: هيمنة البعد العسكري
تركيز موسكو على الأمن والسلاح يضعها في مواجهة مباشرة مع الغرب، وقد يحول التعاون الأمني إلى مصدر توتر جديد إذا لم يتوازَ مع مشروعات تنموية واقتصادية ملموسة.

ثالثاً: تنوع القارة
أفريقيا ليست كتلة واحدة. احتياجات مصر تختلف عن مالي، وجنوب أفريقيا تختلف عن الصومال. وكما تقول الباحثة سانوشا نايدو من جامعة كيب تاون: “متانة الشراكات لا تقاس بعدد الاتفاقيات، بل بمدى تلبيتها لمطالب المجتمعات المحلية”. المطلوب استراتيجيات مرنة تراعي خصوصية كل دولة.

الخلاصة: هل تتحقق الوعود؟

القمة الثالثة ليست احتفالية، بل اختبار جدية. نجاح شعار “التطور معاً” لن يقاس بالبيانات الختامية، بل بقدرة روسيا على الانتقال من الخطاب إلى مصانع تنقل التكنولوجيا، ومشروعات أمن غذائي، وطاقة، وبنية تحتية تلمس حياة الناس.

إذا نجحت موسكو في ذلك، قد تقدم نموذجاً مختلفاً للشراكة يقوم على تبادل الخبرات والمصالح. أما إذا بقيت في حدود التصريحات، فستظل القمم مجرد أداة دبلوماسية لإدارة العزلة، لا لبناء شراكة استراتيجية حقيقية.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى