من يبنى الجدران قبل ان تسقط ؟ لا تهدموا الستر فوق رؤوس الفقراء..

من الكومبوند إلى العشة.. وطن واحد بكرامتين؟

بقلم : علي خليل

يا قلبي لا تحزن: فيلا ب 100 مليون..

وبيت آيل للسقوط يستر عائلة

في بعض أحياء مصر، هناك مأساة تتكرر كل صباح، ولا يجوز أن نتعامل معها كأنها مجرد محضر مخالفة أو قرار إزالة يصدره موظف من وراء مكتب. نتحدث عن بيوت انتهى عمرها الافتراضي منذ زمن، جدران تشققت، وأسقف تمطر خوفاً قبل أن تمطر ماءً، لكنها لأصحابها هي كل الدنيا، هي الستر والأمان وآخر خط دفاع عن الكرامة.

خلف هذه الجدران لا تعيش أرقام في كشوف الحصر، بل أسر كاملة لا تعرف من الحياة إلا الجري وراء لقمة العيش. هؤلاء لا يحلمون بقصور ولا يطالبون بفيلات في كمبوندات مغلقة، كل حلمهم بيت آمن لا يسقط، وغرفة لا يخافون فيها أن ينام أطفالهم فلا يصحون.

فهل يكون الحل أن نهدم البيت الخطر فوق رؤوس أهله، دون أن نجهز لهم بديلاً يليق بإنسانيتهم؟ وهل نعالج خطر انهيار الجدار بخلق كارثة أكبر اسمها التشريد؟ وهل يصبح المواطن الذي احتمى طوال عمره بجدار متهالك، أقل استحقاقاً للرعاية من غيره؟

هنا تبدأ حكاية مواطنين في وطن واحد.!!

مواطن نراه وكأنه “هاي هاي هاي هاي”، مرفوع فوق الأزمة، محاط بمظاهر الرفاهية، ينفق ببذخ، يسكن الفيلات والمنتجعات، يدفع ملايين الجنيهات ثمناً لوحدة يصيف فيها شهراً في السنة.

ومواطن آخر نراه وكأنه “الإي.. إي.. إي”، مواطن يشعر في لحظات القهر أنه تحول في نظر بعض القرارات المتعجلة إلى مجرد “جربوع” يبحث عن جحر يستره. وأنا لا أستخدم هذا اللفظ إساءة لأحد أو تحريضاً على فئة، بل أستخدمه كصرخة احتجاج، كمرآة تعكس شعور الفقير حين يجد نفسه عبئاً تريد الإدارة التخلص من ملفه بأسرع قرار إزالة.

القضية ليست صراع غني وفقير، فالغنى حق مشروع والنجاح حق مشروع. القضية أن تتحول الفوارق الاقتصادية إلى فوارق في الكرامة. أن يشعر مواطن أن الدولة تفتح له كل الأبواب، بينما يشعر آخر أن كل الأبواب تغلق في وجهه حين يطالب بحقه في سكن آمن. الدولة العادلة لا تحارب الرفاهية، لكنها لا تسمح أبداً أن يكون الفقر سبباً لإهدار الكرامة.

أين الإسكان الاجتماعي من هؤلاء؟

هذا هو السؤال الجوهري. كيف يتسلل قادرون، بالتحايل والأوراق، ليحصلوا على وحدات مدعومة لا يستحقونها، بينما يقف المستحق الحقيقي عاجزاً أمام بوابات بيروقراطية؟ الإسكان الاجتماعي لا يُقاس بعدد الوحدات التي نبنيها ونصورها، بل بقدرتنا على إيصالها لمن يستحقها فعلاً. وهذا يتطلب رقابة حقيقية لا تكتفي بالأوراق، بل تتحقق من الدخل والملكية والإقامة الفعلية، وتسترد بكل حسم أي وحدة حصل عليها من لا يستحقها، دون ظلم لأحد.

من الإزالة إلى إعادة البناء.. فكرة قابلة للتنفيذ

لماذا يظل تفكيرنا محصوراً في “إزالة البيت الخطر”؟ لماذا لا نتحول إلى “إعادة بناء البيت الخطر” بشكل حضاري يحفظ حق صاحبه وساكنه؟

أطرح هنا مقترحاً عملياً: برنامج وطني للشراكة بين الحكومة والمطورين العقاريين. تتولى كل شركة تطوير عقاري كبرى، وفق اتفاق قانوني واضح ودراسة جدوى عادلة، تطوير حي قديم أو مربع سكني متهالك، مقابل حوافز شفافة ومحددة، أو من خلال تخصيص نسبة معلنة من أرباح مشروعاتها الفاخرة لتمويل تطوير المناطق الأكثر احتياجاً.

لماذا لا يكون جزء من ترخيص بناء منتجع فاخر، هو التزام قانوني بإعادة بناء منطقة قديمة تحتاج للإنقاذ؟ ولماذا لا نمنح أولوية في التراخيص والتسهيلات التمويلية للشركات الجادة التي تشارك في هذه المبادرة الوطنية؟ هذا ليس عبئاً يطرد الاستثمار، بل هو استثمار في استقرار المجتمع نفسه. فمن استفاد من خير هذا الوطن، عليه أن يكون شريكاً في ترميم جدرانه القديمة، ليس بالتبرعات الموسمية، بل بمشروع مستدام.

كيف ننفذ ذلك دون ظلم؟

التطوير يجب أن يبدأ من الإنسان، لا من الجرافة.!!!

  1. حصر دقيق: للمباني والسكان والملكيات وحقوق المستأجرين.
  2. تصنيف فني: ما يحتاج ترميماً، وما يستلزم إعادة بناء كاملة لخطورته.
  3. تطوير مرحلي: ينتقل السكان مؤقتاً إلى مساكن آمنة قريبة تتحمل الدولة أو المطور تكلفتها، ثم يعودون إلى وحداتهم الجديدة بنفس المنطقة بحقوق قانونية واضحة ومحددة مسبقاً.
  4. حفظ الحقوق: لا يجوز أن تتحول إعادة البناء إلى وسيلة لطرد المالك الأصلي بعد ارتفاع سعر الأرض. حقوق الملكية والإيجار والتعويض والعودة يجب أن تكون مقدسة، مع وجود آلية تظلم مستقلة.
  5. لجنة رقابة شعبية: تضم الأهالي والتنفيذيين والخبراء والمجتمع المدني، تنشر كل شيء: التكاليف والمراحل وأسماء المستحقين. فلا نريد أن نستبدل عشوائية المباني بعشوائية القرارات.

الجبهة الداخلية.. هي البيوت

كل هذه الحلول تظل ناقصة إذا لم نفهم أننا لا نتحدث عن طوب وأسمنت، بل عن انتماء.

ماذا ننتظر من مواطن يرى بيته يُهدم قبل أن يرى البديل، ويسمع صراخ أطفاله ولا يجد من يسمعه؟ هل ننتظر منه أن يظل مقتنعاً بأن الدولة هي بيته الكبير؟ هنا قد تتسلل إلى نفسه عبارة خطيرة جداً: “خليها تولع.. دي مش بلدنا”. وأنا لا أرددها تأييداً، بل أطرحها كجرس إنذار يجب أن يسمعه كل مسؤول. فالوطن لا يُحمى بالشعارات، ولا تُصان جبهته الداخلية بمطالبة الناس بالصبر فقط.

الجبهة الداخلية ليست ثكنات ومؤسسات، بل هي ملايين البيوت المستورة، وأمهات تربي، وآباء يشقون، وشباب ينتظر فرصة. هؤلاء هم من يتحملون فاتورة الأزمات. وإذا اتسعت الفجوة بين المواطن “الهاي” والمواطن “الإي”، فالخطر لن يكون مجرد غضب اجتماعي، بل سيكون تآكلاً في الثقة والانتماء.

الوطنية لا تُقاس بالدخل، لكن العدالة هي التي تجعل الوطنية أقوى. من حق من يسكن فيلا أن ينعم بحياته، ومن حق من يسكن بيتاً متهالكاً أن ينعم بالأمان أيضاً. نحن لا نطالب بمساواة الناس في الثروة، بل بمساواتهم في الكرامة.

لا نريد أن نترك البيوت تنهار فوق رؤوس أهلها، ولا نريد أن نوقف عجلة التطوير. نريد تنمية لا تخلع الإنسان من جذوره، وتطويراً لا يحول أسرة فقيرة إلى أسرة مشردة في الشارع.

فإذا كانت الدولة قادرة على بناء مدن جديدة من الصحراء، فهي قادرة على بناء نموذج للتطوير بالمشاركة يبدأ من الأحياء الأكثر احتياجاً.

إن الجدار الذي يستر الفقير ليس مجرد طوب، إنه آخر خط دفاع بينه وبين المهانة. فإذا كان آيلاً للسقوط، فواجب الدولة أن تنقذ من خلفه، لا أن تكتفي بإسقاطه.

والسؤال ليس: كم بيتاً سنزيل؟ بل: كم أسرة سننقذ؟ ليس: كم حياً سنغير ملامحه؟

بل: كم مواطناً سنعيد إليه الشعور بأن هذا الوطن وطنه؟

أخطر ما قد تخسره الدولة ليس بيتاً قديماً، بل إنساناً يفقد إحساسه بأن هذا الوطن وطنه. وهنا تبدأ التنمية الحقيقية: حين نعيد بناء البيوت، ونرمم الثقة، ونحفظ كرامة الإنسان.

إن المسؤولية هنا ليست مسؤولية الحكومة وحدها، بل هي مسؤولية مشتركة تشارك فيها المؤسسات والقطاع الخاص والمجتمع المدني، كل وفق دوره وقدرته. غير أن الدولة تظل صاحبة المسؤولية الأساسية عن وضع القواعد، وحماية الحقوق، وضمان أن تتحول الشراكة إلى عدالة ملموسة، لا إلى صفقة عقارية جديدة يستفيد منها الأقوى ويُترك الأضعف خارج الحسابات.

فلا تنتظروا من المواطن أن يتحمل إلى ما لا نهاية، ثم تطالبوه في اللحظة الصعبة بأن يكون السند الأقوى للجبهة الداخلية، دون أن تكون الدولة قد منحته أسباب الثقة والأمان. إن المواطن الذي يشعر بأن وطنه يحميه، يكون أقدر على حماية وطنه. أما المواطن الذي يُترك فريسة للقهر والإهمال وسوء التخطيط، فلا يكفي أن نطالبه بالانتماء؛ بل علينا أولًا أن نمنحه ما يجعل هذا الانتماء حيًا في قلبه.

وهنا تبدأ التنمية الحقيقية: حين نعيد بناء البيوت، ونرمم الثقة، ونحفظ كرامة الإنسان، ونثبت أن المواطن ليس «جربوعًا» يُترك للشارع، ولا مواطنًا مرفوعًا وحده فوق الأزمات، بل إنسان له حقوق وواجبات، وشريك في وطن لا يستقيم بناؤه إلا بالعدل.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى