مضيق هرمز وباب المندب… حين تتحوّل الممرّات التجارية إلى أوراق ضغط في صراع النفط والنفوذ

بقلم : د. ليون سيوفي – باحث وكاتب سياسي

لماذا كانت الممرّات البحرية في الخليج والبحر الأحمر شرايين للتجارة والطاقة، ثم أصبحت اليوم في قلب أخطر التجاذبات العسكرية والسياسية؟ وهل نحن أمام صراعات أمنية متفرّقة، أم أمام صراع أوسع على النفط وطرق نقله وموازين القوة الاقتصادية في العالم؟

إنّ مضيق هرمز وباب المندب ليسا مجرّد ممرّين بحريّين، إنّهما ورقتان استراتيجيتان في معركة النفوذ العالمي. فمن يملك القدرة على التأثير في حركة السفن عبرهما، يستطيع أن يضغط على أسعار الطاقة، وتكاليف النقل، وسلاسل الإمداد، وبالتالي على اقتصادات دول بعيدة آلاف الكيلومترات عن المنطقة.

من أمن الملاحة إلى اقتصاد الأزمات ، لم تكن أهمية مضيق هرمز مرتبطة بإيران ودول الخليج وحدها، بل بمصالح العالم بأسره. فالمضيق يشكّل أحد أهم شرايين تجارة النفط والغاز الطبيعي المسال، وأي اضطراب فيه لا يبقى محصورًا في المنطقة، بل ينتقل إلى الأسواق العالمية، ويرفع تكاليف الشحن والتأمين، ويزيد الضغوط التضخمية. وقد حذّرت الأمم المتحدة من أنّ اضطراب الملاحة فيه ينعكس على الطاقة والأسمدة والغذاء والتجارة الدولية.

أما باب المندب، فهو حلقة أساسية في الطريق البحري الذي يربط المحيط الهندي بالبحر الأحمر وقناة السويس. وعندما تتعرّض الملاحة فيه للخطر، تضطر السفن إلى تغيير مساراتها، فتطول الرحلات وترتفع الكلفة، وتصبح التجارة العالمية رهينة المخاطر الأمنية.

وهنا يبرز السؤال، هل يمكن أن تتحوّل الأزمات الأمنية إلى أدوات ضغط اقتصادي وسياسي، بحيث يدفع العالم كله ثمن صراعات لا يملك قرار إشعالها أو إيقافه؟

النفط ليس السلعة الوحيدة في المعركة…

إنّ الصراع لا يدور حول مَن يبيع النفط فقط، بل حول مَن يحدّد شروط وصوله إلى الأسواق، ومَن يتحكّم بكلفة نقله، ومَن يستطيع استخدام الإمدادات والعقوبات والممرّات البحرية لفرض شروط سياسية على خصومه.

فالولايات المتحدة تسعى إلى حماية مصالحها الأمنية والاقتصادية، وإيران تستخدم موقعها الجغرافي وأوراقها الإقليمية في مواجهة الضغوط المفروضة عليها، فيما تحاول دول الخليج حماية منشآتها وصادراتها. وفي المقابل، تجد الدول المستوردة نفسها مضطرة إلى البحث عن بدائل، وتنويع مصادر الطاقة، وتأمين طرق تجارية أقلّ عرضة للخطر.

لكنّ هذه المصالح المتعارضة تفتح الباب أمام سؤال أكثر حساسية: هل تُدار بعض الأزمات بما يسمح بتحويل الخطر إلى فرصة اقتصادية أو سياسية لبعض الأطراف؟

هذا احتمال يستحقّ البحث والمساءلة، لكن لا يجوز اعتباره حقيقة مثبتة من دون أدلّة على أنّ أزمة بعينها افتُعلت عمدًا لتحقيق صفقة محدّدة. فهناك فرق بين الاستفادة من الأزمة، واستغلالها سياسيًا، والتخطيط المسبق لإشعالها.

الصين… الطرف الذي لا يمكن تجاهله…

تكتسب الصين أهمية خاصة في هذه المعادلة، لأنها من أكبر مستهلكي الطاقة في العالم، ولأنّ استقرار إمدادات النفط والغاز وأسعار النقل يؤثر مباشرة في صناعتها وتكاليف إنتاجها وقدرتها التنافسية.

وقد أظهرت بيانات في 6 تشرين الأول أنّ بعض المصافي الصينية المستقلة زادت مشترياتها من النفط العراقي والقطري، مع تراجع تدفقات النفط الإيراني إلى الصين. وهذا يوضح كيف يمكن للاضطرابات والعقوبات أن تغيّر وجهة التجارة وتعيد توزيع المكاسب والخسائر بين المصدّرين والمستوردين.

لذلك، فإنّ أي ضغط مستمر على مضيق هرمز لا يمسّ إيران والخليج وحدهما، بل قد ينعكس على الصين والهند وأوروبا، وعلى كلفة السلع التي يشتريها المستهلك في مختلف أنحاء العالم.

ومع ذلك، لا يعني كل اضطراب بحري أنّ هدفه المباشر إضعاف الصين. فقد تتداخل في الأزمة اعتبارات عسكرية وأمنية وعقوبات ومصالح اقتصادية، ولا يمكن تحديد النوايا الحقيقية من النتائج وحدها.

اذاً من يدفع الثمن؟

المفارقة أنّ الشعوب غالبًا ما تتحمّل الجزء الأكبر من كلفة هذه المواجهات. فحين ترتفع أسعار النفط، ترتفع معها كلفة النقل والإنتاج والتدفئة والغذاء. وحين تتعطّل طرق التجارة، تدفع الشركات والمستهلكون فاتورة التأخير والتأمين، بينما تتراجع قدرة الاقتصادات الضعيفة على امتصاص الصدمات.

أما الدول المنتجة نفسها، فليست بمنأى عن الخسائر؛ إذ إنّ ارتفاع أسعار الطاقة لا يعوّض بالضرورة أضرار المنشآت، أو تعطل الصادرات، أو هروب الاستثمارات، أو تراجع الثقة بالاستقرار الإقليمي. وقد حذّرت أوبك والدول المشاركة في إعلان التعاون، في اجتماع نُقلت نتائجه في 12 تشرين الأول، من الارتفاع الحاد في تكاليف الشحن والتأمين على تدفقات الطاقة، وما يسبّبه من ضغوط على النمو العالمي.

الخلاصة: من يحمي الممرّات من صفقات النفوذ؟

إنّ الخطر الحقيقي لا يكمن في وجود مصالح متنافسة فحسب، بل في أن تتحوّل الممرّات البحرية إلى أدوات ابتزاز متبادل، وأن تصبح سلامة التجارة العالمية رهينة الحسابات العسكرية والسياسية.

لا يمكن الجزم بأنّ جميع الأزمات مفتعلة للسيطرة على النفط، لكن يمكن مساءلة كلّ طرف عن قراراته، وعن المستفيد من استمرار التصعيد، وعن مدى التزامه بحرية الملاحة والقانون الدولي. فالمصالح الاقتصادية لا تبرّر تعريض البحّارة المدنيين للخطر، ولا تحويل حياة الشعوب إلى ورقة تفاوض.

إنّ مضيق هرمز وباب المندب ملكٌ للملاحة الدولية، لا ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات. واستقرار المنطقة ليس مصلحة خليجية أو إيرانية فقط، بل ضرورة للصين وأوروبا وآسيا والعالم بأسره.

ويبقى السؤال الذي يجب أن يُطرح بوضوح، إذا كان الجميع يدرك أنّ إغلاق هذه الممرّات أو تهديدها سيضرّ بالاقتصاد العالمي، فلماذا لا تصبح حماية الملاحة وخفض التصعيد أولوية دولية حقيقية، بدل أن تبقى رهينة موازين القوة وصفقات النفوذ؟

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى