*الذات بين الهوية وضغوط المجتمع: هل نستطيع أن نكون أنفسنا حقًّا؟*

بقلم : الكاتبة السالمة الروفي ـ المغرب
أعتقد أن الإنسان لا يستطيع أن يعيش بمعزل عن مجتمعه؛ فهو يتأثر بمن حوله، وتترك تجاربه وعلاقاته أثرًا في أفكاره ومواقفه. لكن هذا التأثير لا يعني أن يفقد حقه في الاختيار، أو أن يعيش وفق الصورة التي ينتظرها الآخرون منه. فمن الطبيعي أن نراعي مشاعر من حولنا ونحرص على احترامهم، غير أن المشكلة تبدأ حين يصبح إرضاؤهم غاية نسعى إليها على حساب قناعاتنا، فنتنازل عمّا نؤمن به، لا لأننا اقتنعنا بغيره، بل خوفًا من الرفض أو من أحكام قد لا تنصفنا.
ومن وجهة نظري، هناك فرق بين مراعاة الآخرين تقديرًا لهم، وبين جعل رضاهم مقدّمًا على راحتنا وقناعاتنا. فليس كل تنازل ضعفًا، كما أن التمسك بالرأي ليس دليلًا على الصواب في كل الأحوال؛ فقد يكون التنازل دليلًا على النضج حين تقتضيه الظروف، وقد تكون مراجعة المواقف علامة على الوعي حين نكتشف أننا أخطأنا. لكن التخلي عن ذواتنا لمجرد أن نكون مقبولين أمر مختلف؛ لأن الإنسان حين يعتاد إخفاء رأيه ومشاعره خوفًا من نظرة الآخرين، قد يفقد تدريجيًّا القدرة على التمييز بين ما يريده حقًّا وما يفعله من أجل إرضائهم.
وهنا يبرز سؤال يستحق التأمل: لماذا نخشى أحيانًا أن نكون أنفسنا؟ أهو الخوف من الرفض، أم خشية أن تتغير نظرة الآخرين إلينا؟ قد يكون الإنسان مقتنعًا بأفكاره، لكنه يتردد في التعبير عنها خشية ألا يتقبلها المجتمع. ومع ذلك، لا أرى أن الاختلاف يستوجب الخجل أو التراجع، ما دمنا نحترم الآخرين ولا نتجاوز حقوقهم. فالحرية لا تعني أن نفعل كل ما نريد دون مراعاة لمسؤولياتنا، بل أن نختار بوعي، ونتحمل نتائج اختياراتنا، من غير أن نجعل أحكام الناس تتحكم في حياتنا، أو أن نتخذ من حريتنا مبررًا لفرض آرائنا عليهم.
وفي المقابل، لا أعتقد أن الإنسان يستطيع التحرر تمامًا من تأثير المجتمع؛ فنحن نتعلم من الآخرين، ونتأثر بتجاربهم، وقد نكتشف من خلال الحوار معهم جوانب لم نكن نراها من قبل. ولا أرى في ذلك انتقاصًا من استقلاليتنا، بل فرصة للتعلم والنضج. غير أن الفرق كبير بين أن نتعلم من الآخرين وأن نترك لهم حق اتخاذ قراراتنا، وبين أن نراجع أفكارنا عن اقتناع وأن نتخلى عنها خوفًا من أحكامهم. لذلك، ليس المطلوب أن نرفض كل ما يأتينا من المجتمع، ولا أن نقبل كل ما يفرضه علينا، بل أن نفكر ونميّز ونختار عن وعي، مستندين إلى قناعات قابلة للمراجعة، لا إلى الخوف أو التقليد.
وأرى أن التحدي الحقيقي لا يكمن في الاختيار بين أنفسنا والآخرين، وكأن احترام أحد الطرفين يستلزم إهمال الآخر، بل في معرفة كيف نوازن بين رغباتنا ومسؤولياتنا. فمن حقنا أن نحافظ على قناعاتنا، كما أن علينا احترام حقوق من حولنا. ولا ينبغي أن يتحول العطاء إلى إلغاء للذات، أو أن تصبح مراعاة الآخرين سببًا في إهمال احتياجاتنا. وفي الوقت نفسه، لا تكمن الشجاعة في مخالفة المجتمع لمجرد إثبات استقلالنا، بل في أن نعرف متى نتمسك بمواقفنا ومتى نراجعها، وأن نمتلك القدرة على قول «لا» حين يتعارض ما يُطلب منا مع قناعاتنا، دون إساءة إلى أحد أو انتقاص من حقه في الاختلاف.
وبالنسبة إليّ، فإن النضج لا يعني أن نتكيف مع المجتمع في جميع الأحوال، ولا أن نعارضه لمجرد الاختلاف، بل أن نميّز بين ما يستحق المرونة وما يستدعي الثبات على الموقف. فقد نخطئ ونحتاج إلى تصحيح أفكارنا، وقد نكون على صواب رغم عدم اتفاق الآخرين معنا. ولهذا، لا ينبغي أن نجعل رأي المجتمع حكمًا نهائيًّا على اختياراتنا، كما لا ينبغي أن نعدّ قناعاتنا صحيحة لمجرد أننا نؤمن بها؛ فالثقة بالنفس لا تتعارض مع مراجعتها، والتمسك بالمبدأ لا يمنعنا من الاعتراف بالخطأ. وربما كان الوعي الحقيقي هو أن نملك الشجاعة لنختلف حين نقتنع، والشجاعة نفسها لنتراجع حين يتبين لنا أننا لم نكن على صواب.
وفي النهاية، إذا خُيّرت بين أن أكون محبوبة لأنني أعيش وفق الصورة التي يريدها الآخرون مني، وأن أكون نفسي حتى إن لم يفهمني الجميع، فسأختار أن أكون نفسي؛ لا رغبةً في مخالفة أحد، ولا اعتقادًا بأنني دائمًا على صواب، بل إيمانًا بحقي في الاختيار واستعدادًا لتحمل مسؤوليته. لا أريد أن أكون أسيرة أحكام الناس، كما لا أريد أن أجعل من حريتي سببًا لإيذائهم. فأن أكون نفسي لا يعني أن أرفض المجتمع، بل أن أعيش بين أفراده بوعي واحترام، أتعلم منهم دون أن أفقد هويتي، وأحترم اختلافهم دون أن أتخلى عن قناعاتي. فليست قوة الإنسان في أن يرضي الجميع، ولا في أن يتحدى الجميع، بل في أن يعرف نفسه، ويفهم حدود حريته، ويختار موقفه عن اقتناع، لا خوفًا من الناس ولا رغبة في إرضائهم.