هل أصبحت الجامعة مؤسسة قديمة؟

بقلم : د. مها بسطاوى

لم يكن دخول الجامعة يومًا مجرد خطوة دراسية عادية، بل كان بالنسبة إلى أجيال متعاقبة بوابة العبور إلى المستقبل. فمنذ عقود طويلة ارتبطت الشهادة الجامعية بالوظيفة المرموقة والمكانة الاجتماعية والاستقرار المادي. وكان الآباء والأمهات ينظرون إلى الجامعة باعتبارها الاستثمار الأهم في حياة أبنائهم، بينما كان الطلاب يرون فيها الطريق الأقصر نحو النجاح.
لكن هذا التصور الذي ظل راسخًا لعقود طويلة بدأ يتعرض لاختبار حقيقي خلال السنوات الأخيرة. فالعالم تغير بسرعة كبيرة، وظهرت أدوات وتقنيات جديدة، وتبدلت احتياجات سوق العمل، وأصبح كثير من الناس يطرحون سؤالًا لم يكن من السهل طرحه قبل سنوات: *هل ما زالت الجامعة تؤدي الدور الذي أنشئت من أجله، أم أنها أصبحت جزءًا من نظام قديم لا يواكب التغيرات المتسارعة؟*
قد يبدو السؤال صادمًا، خاصة في المجتمعات التي تعتبر الحصول على الشهادة الجامعية هدفًا لا يمكن التنازل عنه. لكن الواقع يشير إلى أن النقاش حول مستقبل الجامعة لم يعد مقتصرًا على الطلاب أو الباحثين، بل أصبح حاضرًا بين أصحاب الشركات والمؤسسات الاقتصادية وحتى داخل الجامعات نفسها.
في الماضي كانت الجامعة هي المصدر الرئيسي للمعرفة. فإذا أراد الإنسان أن يتعلم علمًا أو تخصصًا معينًا، لم يكن أمامه سوى قاعات الدراسة والمكتبات والأساتذة. أما اليوم فقد تغير المشهد بالكامل. فالمعرفة أصبحت متاحة للجميع تقريبًا عبر الإنترنت، ويمكن لأي شاب أن يتابع محاضرات لأساتذة من أكبر الجامعات العالمية وهو جالس في منزله. كما أصبحت الدورات التدريبية المهنية والمنصات التعليمية الرقمية توفر فرصًا للتعلم لم تكن موجودة من قبل.
هذا التحول جعل الجامعة تفقد أهم أسباب تفردها التاريخي، وهو احتكار المعرفة. فلم يعد الطالب مضطرًا للانتظار سنوات حتى يصل إلى المعلومات، ولم تعد الكتب الجامعية هي المصدر الوحيد للتعلم. وبذلك أصبح السؤال المطروح ليس كيف يحصل الإنسان على المعرفة، بل كيف يستخدمها ويحولها إلى مهارة وقيمة حقيقية.
ورغم ذلك ما زالت كثير من الجامعات تعمل بالطريقة نفسها التي كانت تعمل بها قبل سنوات طويلة. فما زالت بعض المناهج تعتمد على الحفظ أكثر من الفهم، وعلى استرجاع المعلومات أكثر من تحليلها. وما زالت بعض الامتحانات تقيس قدرة الطالب على التذكر لا قدرته على التفكير وحل المشكلات.
وهنا تظهر المفارقة. فالعالم اليوم لا يعاني من نقص المعلومات، بل من وفرتها. وإذا كانت المعلومة متاحة بضغطة زر، فإن القيمة الحقيقية أصبحت في القدرة على الفهم والتحليل والإبداع. وهي مهارات يفترض أن تكون في قلب العملية التعليمية، لكنها لا تحظى دائمًا بالاهتمام الكافي.
كثير من الطلاب يكتشفون هذه الحقيقة بعد التخرج. فعندما يبدأون البحث عن عمل، يفاجأون بأن أصحاب الشركات لا يسألون كثيرًا عن المواد التي درسوها أو عدد الساعات التي قضوها في قاعات المحاضرات، بل يركزون على المهارات التي يمتلكونها وقدرتهم على الإنجاز والعمل والتطوير.
ولهذا أصبحنا نرى خريجين يحملون شهادات جامعية جيدة لكنهم يجدون صعوبة في دخول سوق العمل، بينما ينجح آخرون في بناء مسارات مهنية قوية اعتمادًا على مهارات اكتسبوها من مصادر مختلفة خارج التعليم التقليدي.
ولا يعني ذلك أن الشهادة الجامعية فقدت قيمتها بالكامل، لكنها لم تعد وحدها كافية كما كانت في السابق. فالتنافس في سوق العمل أصبح يعتمد على مجموعة واسعة من العوامل، يأتي في مقدمتها الإبداع والمرونة والقدرة على التعلم المستمر.
وقد ساهمت الثورة التكنولوجية في تسريع هذا التحول. فخلال سنوات قليلة فقط ظهرت وظائف لم تكن موجودة من قبل، واختفت وظائف أخرى أو تراجعت أهميتها. كما فرض الذكاء الاصطناعي واقعًا جديدًا جعل كثيرًا من المهام الروتينية أسهل وأسرع من أي وقت مضى.
في هذا السياق لم يعد السؤال الذي يواجه الشباب هو كيف يحصلون على وظيفة فقط، بل كيف يحافظون على قدرتهم على المنافسة في عالم يتغير باستمرار. وهنا تحديدا يصبح التعلم المستمر أكثر أهمية من أي شهادة يحصل عليها الإنسان في بداية حياته.
وربما تكمن المشكلة الأكبر في الفجوة بين سرعة تغير العالم وبطء تغير المؤسسات التعليمية. فبينما تتبدل احتياجات سوق العمل خلال سنوات قليلة، تحتاج بعض المناهج الدراسية إلى وقت طويل حتى تتطور أو تتجدد. والنتيجة أن الطالب قد يتخرج أحيانًا وهو يحمل معرفة لا تتوافق بصورة كاملة مع الواقع الذي ينتظره خارج أسوار الجامعة.
كما أن كثيرًا من الطلاب يدخلون تخصصات لا يرغبون فيها أصلًا، فقط لأنها تتمتع بمكانة اجتماعية معينة أو لأن المجتمع ما زال ينظر إليها باعتبارها الطريق الآمن نحو المستقبل. وبعد سنوات من الدراسة يكتشف بعضهم أنهم يسيرون في طريق لم يختاروه بأنفسهم.
هذه المشكلة لا ترتبط بالجامعة وحدها، بل بثقافة اجتماعية كاملة تربط قيمة الإنسان بالشهادة أكثر من ربطها بقدراته الحقيقية. فما زال البعض يقيس النجاح باسم الكلية التي تخرج فيها الشخص، لا بما يحققه على أرض الواقع.
لكن العالم يتحرك في اتجاه مختلف. فالكثير من الشركات والمؤسسات أصبحت أكثر اهتمامًا بما يستطيع الفرد إنجازه بالفعل، لا بمجرد المؤهل الذي يحمله. وأصبحت المهارات العملية عنصرًا أساسيًا في تقييم المتقدمين للوظائف.
ومع ذلك سيكون من الخطأ اعتبار الجامعة مؤسسة بلا فائدة أو الدعوة إلى الاستغناء عنها. فالجامعة ما زالت تؤدي أدوارًا مهمة يصعب تعويضها بالكامل. فهي بيئة للتفاعل الفكري والاجتماعي، ومركز للبحث العلمي، ومكان لاكتساب الخبرات والعلاقات الإنسانية والمهنية.
كما أن هناك تخصصات لا يمكن تخيلها بعيدًا عن التعليم الجامعي المنظم، مثل الطب والهندسة والصيدلة والعلوم الأساسية وغيرها من المجالات التي تحتاج إلى إعداد أكاديمي دقيق وإشراف علمي مستمر.
لذلك فإن القضية ليست في وجود الجامعة أو عدم وجودها، بل في قدرتها على التكيف مع الواقع الجديد. فالجامعة التي نجحت في الماضي ليست بالضرورة قادرة على النجاح بالشكل نفسه في المستقبل إذا لم تطور أدواتها وأساليبها.
المطلوب اليوم ليس المزيد من قاعات المحاضرات فقط، بل المزيد من التدريب العملي والتفكير النقدي والابتكار. المطلوب أن يتعلم الطالب كيف يبحث عن المعرفة وكيف يقيّمها وكيف يستخدمها، لا أن يكتفي بحفظها لفترة قصيرة ثم ينساها بعد الامتحان.
كما أن العلاقة بين الجامعة وسوق العمل تحتاج إلى مراجعة حقيقية. فنجاح المؤسسة التعليمية لا يقاس بعدد الخريجين الذين تمنحهم شهادات كل عام، بل بقدرتها على إعداد أشخاص قادرين على العمل والإنتاج والمنافسة.
وفي ظل التحولات الاقتصادية والتكنولوجية المتسارعة، أصبح من الضروري أن تنظر الجامعات إلى التعليم باعتباره عملية مستمرة لا تنتهي بالتخرج. فالحصول على الشهادة لم يعد نهاية الرحلة كما كان في الماضي، بل أصبح مجرد بداية لمسار طويل من التعلم والتطوير.

*وفي النهاية، لا تبدو الجامعة اليوم مؤسسة انتهى دورها، لكنها بالتأكيد تواجه لحظة مفصلية في تاريخها. فإما أن تعيد تعريف وظيفتها بما يتناسب مع متطلبات العصر، وإما أن تجد نفسها تدريجيًا أقل تأثيرًا في عالم تتغير قواعده كل يوم.*
*لقد عاش العالم لعقود طويلة وهو يطرح سؤالًا واحدًا على الشباب: في أي جامعة تدرسون؟ أما السؤال الذي يفرض نفسه اليوم فهو أكثر بساطة وعمقًا في الوقت نفسه: ماذا تستطيعون أن تفعلوا بما تعلمتموه؟ وربما تكون الإجابة عن هذا السؤال هي التي ستحدد شكل التعليم ومستقبل الجامعة خلال السنوات المقبلة.*

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى