الدبلوماسية العربية في مواجهة الأزمات: أمن متعدد السرعات وشراكات بلا كتلة موحدة

بقلم: مروة أحمد عبد العليم

يشهد النظام الإقليمي العربي تحولات متسارعة أعادت تعريف مفهوم الأمن العربي. لم يعد الأمن قضية عسكرية على الحدود، بل منظومة معقدة تتداخل فيها الصراعات المسلحة بأمن الطاقة والممرات البحرية والتجارة والاستثمار.

هذه هي الخلاصة التي ينطلق منها الباحث إيفان بوتشاروف في مقال نشره المجلس الروسي للشؤون الدولية، مؤكداً أن العالم العربي لا يمتلك رؤية أمنية واحدة. فالدول تختلف في أولوياتها وتهديداتها وأدواتها، وإن تقاربت دول الخليج في حماية البنية التحتية وتأمين مضائق هرمز وباب المندب واستقرار أسواق الطاقة.

هذا التباين يفسر محدودية دور جامعة الدول العربية، التي اكتفت في أزمات كبرى مثل حرب غزة والمواجهة مع إيران بالبيانات السياسية، بينما كان مجلس التعاون الخليجي أكثر حضوراً عملياً في الملفات الأمنية.

2026.. عام كشف هشاشة الضمانات الخارجية

أزمة 2026 مع إيران كانت لحظة كاشفة. فتقييد الملاحة في مضيق هرمز والهجمات بالصواريخ والمسيّرات على منشآت خليجية ضرب الاقتصاد مباشرة، وأثبت أن الاعتماد على الضمانات الأمنية الخارجية وحدها لا يحمي.

ورغم عودة الملاحة جزئياً، إلا أنها لم تصل لمستويات ما قبل الحرب، وهو ما دفع دول الخليج لخيارين متوازيين: تعزيز قدراتها الذاتية في الدفاع الجوي والصاروخي، وتنويع شركائها.

إيران.. التهديد الأول بعيون مختلفة

تتصدر إيران حسابات التهديد، لكن بدرجات متفاوتة. بالنسبة للخليج، الخطر هو استهداف منشآت الطاقة والنقل. وبالنسبة لدول أخرى، الخطر غير مباشر عبر دعم جماعات مسلحة.

ورغم أن السعودية استأنفت علاقاتها مع طهران بوساطة صينية في 2023 وأجرت معها مناورات بحرية، وحافظت الإمارات على علاقاتها الاقتصادية، إلا أن هجمات 2026 التي طالت أراضي تضم قواعد أمريكية ومنشآت خليجية قلبت المعادلة.

تحركت البحرين باسم الخليج والأردن في مجلس الأمن في مارس 2026 لإدانة الهجمات، ثم طرحت مشروعاً لأمن الملاحة في هرمز، وفي نفس الوقت أوقفت الإمارات في أغسطس 2026 عملياتها التجارية والمالية مع طهران مع جولة تصعيد جديدة.

تهديدات مركبة: من إسرائيل إلى الحوثيين

لا تنظر الدول العربية لإسرائيل والجماعات المسلحة بنفس المنظار. فبينما تمثل إسرائيل تهديداً مباشراً لدول شرق المتوسط، لا تراها معظم دول الخليج كتهديد عسكري مباشر، لكن حادثة استهداف قادة حماس في الدوحة كشفت حساسية أي عمل عسكري على أرض خليجية.

في سوريا، بعد سقوط نظام الأسد، احتفظت إسرائيل بهامش حركة واسع، بينما تواجه السلطة الجديدة تحدي دمج الفصائل ومكافحة تهريب السلاح والكبتاجون.

وفي لبنان، رغم التوصل لإطار وقف إطلاق نار في يونيو 2026 بوساطة أمريكية ينص على انتشار الجيش اللبناني ونزع سلاح حزب الله، إلا أن رفض الحزب للمشاركة يعقد التنفيذ.

أما في الجنوب، فيبرز الحوثيون كأخطر تهديد للبحر الأحمر. فمنذ أكتوبر 2023 توسعت هجماتهم من غزة إلى إعلان حصار بحري على السعودية واستهداف منشآت نفطية على ساحل البحر الأحمر في صيف 2026، مما ضرب حركة التجارة عبر باب المندب.

التنافس العربي-العربي والشراكات الجديدة

التحدي ليس خارجياً فقط. التنافس السعودي-الإماراتي في اليمن والسودان وليبيا والصومال بلغ ذروته نهاية 2025 بهجوم للمجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتياً في حضرموت والمهرة، ورد سعودي باستهداف سفن سلاح ومطالبة أبوظبي بسحب قواتها. وكذلك التنافس الجزائري-المغربي يعطل أي رؤية موحدة.

في المقابل، تتشكل شراكات جديدة غير مسبوقة:

  • اتفاق دفاع مشترك ثلاثي بين السعودية وتركيا وباكستان في مكة أغسطس 2026 ينص على أن الهجوم على واحدة هو هجوم على الجميع.
  • توسع الشراكة الدفاعية الإماراتية-الهندية في 2026.
  • استمرار التعاون الأمني ضمن اتفاقات إبراهام، والذي ظهر بنشر إسرائيل بطاريات القبة الحديدية في الإمارات خلال حرب 2026.

مصر وقطر وعُمان: قوة الدبلوماسية

وسط منطق السلاح، تبرز الدبلوماسية كأداة أمن قومي. لعبت مصر وقطر وعُمان أدواراً محورية.

منذ حرب غزة 2023، قادت القاهرة والدوحة وساطة إسرائيل-حماس، بدوافع مختلفة: مصر لأمن حدودها ومنع التهجير لسيناء، وقطر بقدرتها على التواصل مع أطراف متخاصمة مع واشنطن.

وتوج هذا الدور في 13 أكتوبر 2025 بتوقيع اتفاق وقف إطلاق النار وتبادل الرهائن في قمة شرم الشيخ بين الرئيس الأمريكي ترامب والرئيس السيسي وأمير قطر والرئيس التركي أردوغان.

وامتد الدور لملفات أخرى: شاركت قطر في مفاوضات هرمز ووقف القتال الأمريكي-الإيراني، ونقلت عُمان الرسائل ونظمت المفاوضات في 2026.

الخلاصة: أمن بلا صيغة واحدة

يخلص بوتشاروف إلى حقيقة واحدة: لا يوجد نموذج واحد للأمن العربي. المنطقة لا تنقسم إلى كتلتين متناحرتين، بل كل دولة تناور وتختار شراكاتها حسب تهديدها المباشر.

الخلافات العربية وتباين تقدير المخاطر يمنع بناء منظومة أمنية جماعية، لكنه لا يمنع ظهور تحالفات مرنة ومؤقتة مرتبطة بأزمة بعينها. إنه أمن متعدد السرعات، حيث تعمل القوة العسكرية والدبلوماسية والمساعدات الإنسانية معاً في نفس اللحظة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى