ابنك المراهق لا يتمرد عليك.. هو يغرق وأنت تعاقب غرقه

بقلم : د. سهر الكومى

في بيوت كثيرة تتكرر نفس الجملة: تغير فجأة، أصبح عصبيا، يكذب، يقفل بابه، لا يترك الموبايل، لا يسمع الكلام. خلف الجملة أم قلقة، وأب غاضب، وابن لا يفهم نفسه.

المراهقة ليست معركة قوة. هي اختبار للحب والفهم والاحتواء.

ماذا يحدث داخله فعلا؟

المراهقة انتقال سريع بين الطفولة والرشد. تغيرات بيولوجية ونفسية واجتماعية ومعرفية في وقت واحد. المراهق يحاول تكوين هويته واختبار استقلاله.

المخ في هذه المرحلة لا يزال يتطور، خاصة الشبكات المسؤولة عن التخطيط وضبط الاندفاع وتقدير المخاطر. في المقابل يكون تأثير المكافأة الفورية وقبول الأصدقاء والانفعالات قويا جدا. هذا لا يعني أنه غير مسؤول، لكنه يعني أن تعلم اتخاذ القرار يحتاج تدريبا وحدودا واضحة وفرصا لتحمل المسؤولية.

فهم السلوك لا يعني تبريره، والحب لا يعني السماح بالخطأ.

سلوكيات تستدعي وقفة جادة

ليس كل إزعاج اضطرابا، لكن تكرار السلوك وشدته وتأثيره على الدراسة والنوم والعلاقات مؤشر مهم:

1. الغضب والانفجار: قد يكون تعبيرا عن عجز أو ظلم أو قلة نوم أو تنمر. من حقه أن يغضب، ليس من حقه أن يضرب أو يدمر.

2. الكذب والإخفاء: غالبا محاولة لتجنب العقاب أو حماية الخصوصية. الصراخ والتجسس يعلمانه إخفاء أفضل، لا الصدق. المطلوب تمييز بين خصوصية طبيعية وإخفاء خطر.

3. العناد ورفض الأوامر: وراءه حاجة للاستقلال، ويتضخم مع السيطرة المفرطة. الحل ليس ترك الحبل ولا كسب كل معركة، بل تحديد ما هو قابل للنقاش وما هو غير قابل لأنه يمس السلامة والاحترام.

4. العزلة وإغلاق الباب: الخصوصية طبيعية. الخطر عندما تكون مفاجئة وشديدة مع فقدان اهتمام وتراجع دراسي وتغير نوم وأكل وحزن مستمر.

5. الإدمان الرقمي: المشكلة ليست في الجهاز، بل في فقدان التنظيم. المخاطر تشمل التنمر الإلكتروني والابتزاز والمحتوى غير المناسب والمقارنة المستمرة. الحل قواعد أسرية واضحة وحوار عن الأمان الرقمي وقدوة من الأهل.

6. التدخين والفيب والمواد: تبدأ غالبا بفضول أو ضغط أصدقاء أو هروب من التوتر. الحزم ضروري، لكن التشهير والوصم ليسا علاجا. عند وجود مؤشرات حقيقية، الأولوية للسلامة وطلب مختص مؤهل.

7. العدوان والتنمر: لا يجوز اعتباره شقاوة. يجب حماية المتضرر وإيقاف السلوك والمحاسبة وتعليم إصلاح الضرر، مع فهم هل المراهق نفسه يتعرض للعنف.

8. الفضول حول الجسد والعلاقات: التخويف والصمت يدفعان لمصادر غير موثوقة. المطلوب تثقيف مناسب للعمر عن الحدود الشخصية والخصوصية والاستغلال والابتزاز.

لماذا يتأزم بعض المراهقين أكثر؟

لا يوجد سبب واحد. عوامل تزيد الاحتمال: أسلوب تربية متسلط أو متساهل بلا حدود أو متناقض بين الوالدين، مناخ أسري متوتر، ضغط الأقران، تنمر أو صعوبات تعلم، تجارب مؤلمة، قلق أو اكتئاب أو اضطراب انتباه أو مشكلات نوم، وغياب حوار آمن يشعر فيه أنه سيُسمع دون إهانة.

كيف نحافظ عليه دون أن نخسره؟

اسمع قبل أن تحكم: اسأل: ماذا حدث، بماذا شعرت، هل تريد أن أسمع فقط أم نفكر معا في حل.

افصل بينه وبين سلوكه: قل هذا السلوك كسر الثقة وسنصلحه، بدلا من أنت كاذب وفاشل.

ضع حدودا واضحة وثابتة: قواعد معروفة مسبقا عن النوم والدراسة والموبايل والاحترام والعودة للبيت، بعواقب منطقية متناسبة، دون ضرب أو إهانة أو فضح.

امنح استقلالا متدرجا: اترك له اختيارات تناسب عمره ودربه على تحمل نتيجتها.

اختر وقت الحوار: وقت الغضب ليس وقت تربية. اهدأوا ثم عودوا.

كن قدوة: لا تطلب احترام الغضب وأنت تفقد أعصابك، ولا تقليل الموبايل وأنت لا تتركه.

خصص وقتا بلا نقد: نشاط يحبه، حديث عن اهتماماته، بدون سؤال عن الدرجات

لا تقارن: المقارنة تزرع النقص. قارن تقدمه بنفسه.

اتفقا كوالدين على الأساسيات: قواعد السلامة والاحترام لا تكون ساحة صراع بينكما.

متى نطلب مساعدة متخصصة؟

اطلب تقييما مهنيا عند استمرار واحد أو أكثر من: حزن أو تهيج شديد وفقدان اهتمام، انعزال مفاجئ أو تراجع دراسي كبير، تغير نوم أو أكل، نوبات غضب لا يمكن السيطرة عليها أو إيذاء للآخرين، تعاطي مواد أو سلوكيات خطرة، حديث عن انعدام القيمة أو اليأس أو إيذاء النفس، تغير سلوكي يوحي بتنمر أو ابتزاز أو اعتداء.

وجود علامة لا يعني تشخيصا، لكنه يعني حاجة لتقييم جاد. عند وجود نية انتحارية أو خطر فوري، لا تتركه وحده، أبعد وسائل الأذى إن أمكن بأمان، واطلب المساعدة الطارئة فورا.

المراهقة ستمر، لكن ما سيبقى هو إجابة سؤال واحد: عندما يقع ابنك في أكبر أزمة، هل سيكون أول من يفكر به هو أنت، أم آخر من يخاف أن يعرف؟

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى