بعد ثلاث سنوات من الحرب.. غزة بين إعمار مؤجل ومستقبل غامض

بقلم : فادى عيد
مع اقتراب الذكرى الثالثة للحرب، يواجه الفلسطينيون في غزة أزمة تتجاوز البحث عن مأوى أو تأمين الاحتياجات اليومية، لتشمل القدرة على بناء مستقبل في قطاع أنهكه الدمار والوعود المؤجلة بالاعمار.
ورغم مرور قرابة عام على وقف إطلاق النار الهش الذي دخل حيز التنفيذ في أكتوبر 2025، لم يتحول تراجع العمليات العسكرية إلى تعافٍ ملموس لاسيما مع تواصل الضربات الإسرائيلية ، وتأخر مسار إعادة الإعمار ، فيما يعيش النازحون ظروفاً قاسية داخل الخيام ومراكز الإيواء.
وبحسب وزارة الصحة في غزة، تجاوز عدد قتلى الحرب 74 ألفاً، فيما زاد عدد المصابين على 175 ألفاً حتى أواخر سبتمبر 2026.
وتقول منظمة الصحة العالمية إن 19 مستشفى فقط من أصل 36 تعمل بصورة جزئية، من دون أن يعمل أي مستشفى بكامل طاقته، وسط نقص الأدوية والمعدات والوقود.
وبحسب تقرير لمؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية «أونكتاد»، تضررت أو دُمّرت نحو 92% من المنشآت الاقتصادية منذ أكتوبر 2023، وبلغت البطالة 78% خلال عام 2025، بينما انخفض نصيب الفرد من الناتج المحلي إلى نحو 212 دولاراً سنوياً.
فيما تقدر تقارير الأمم المتحدة والبنك الدولي احتياجات التعافي وإعادة الإعمار بنحو 71.4 مليار دولار خلال عشر سنوات، منها 26.3 مليار دولار خلال الأشهر الثمانية عشر الأولى، لاستعادة الخدمات الأساسية والبنية التحتية وبدء التعافي الاقتصادي.
وفي ظل هذا الواقع، أصبحت فكرة المغادرة حاضرة لدى شريحة من السكان وبخاصة الشباب، رغم معارضة آخرين لفكرة توطينهم خارج القطاع.
وأظهر مسح أجراه «الباروميتر العربي» بالتعاون مع المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية داخل غزة في أكتوبر 2025 أن 33% من المشاركين سيغادرون مع أسرهم إذا أتيحت الفرصة، بينما قال 7% إنهم سيغادرون بمفردهم، و6% إن أفراداً آخرين من أسرهم سيغادرون.
وفي استطلاع سابق للمركز، أُجري مطلع مايو 2025، أبدى نحو 49% استعدادهم لتقديم طلبات إلى إسرائيل لمساعدتهم على الخروج عبر موانئها ومطاراتها، مقابل 50% رفضوا ذلك. وتعكس النتائج تبايناً في الخيارات، بين التمسك بالبقاء والبحث عن ظروف أكثر أمناً في الخارج.
ويقول ياسر أبو جيب، البالغ 33 عاماً، في تصريح لـ«إندبندنت عربية» في مايو 2025 إنه قرر المغادرة بعدما ضاقت أمامه الآفاق، إلا أن حمله جنسية أجنبية لم يكن كافياً وحده لتمكينه من الخروج.
وقدّرت رويترز مطلع 2025 وجود نحو 100 ألف فلسطيني من غزة في مصر، معظمهم من دون إقامات طويلة الأجل. ولجأ بعضهم إلى مشروعات صغيرة لتأمين الدخل، بينها بيع الطعام الفلسطيني وصناعة الحقائب، وسط تردد بين البقاء مؤقتاً والعودة إلى قطاع يحتاج إلى سنوات من الإعمار.
وفي أوروبا، أتاحت الدراسة والعمل الأكاديمي فرصاً محدودة للخروج. ومن بين هذه الحالات المهندس الفلسطيني عايد أيوب، الذي انتظر أكثر من عام قبل مغادرة غزة مع أسرته للالتحاق بزمالة في فرنسا، ضمن مجموعة من 115 فلسطينياً استقبلتهم البلاد في أبريل 2025.
كما وصل 34 طالباً من غزة إلى بريطانيا في سبتمبر من العام نفسه لاستكمال دراستهم، بينما بقي أفراد من أسر بعضهم داخل القطاع.
وتتزامن هذه الخيارات مع رفض السعودية والجامعة العربية تهجير الفلسطينيين من أرضهم.
وقد تبنّت القمة العربية الطارئة في القاهرة، في مارس 2025، خطة لإعادة إعمار غزة مع بقاء سكانها فيها.
وبين من يريد البقاء ومن يبحث عن فرصة في الخارج، يظل استئناف الإعمار واستعادة الخدمات والعمل عاملاً حاسماً في قرارات السكان. فالمغادرة بالنسبة إلى بعضهم محاولة لإعادة بناء حياتهم، ولآخرين محطة مؤقتة يأملون أن تنتهي بالعودة، حين تصبح الحياة في غزة ممكنة من جديد.