حين يفقد الريف روحه… وتموت التربية… لا تسألوا: أين الأخلاق؟

بقلم – أيمن عزالدين
لم أتصور يومًا أن يأتي وقتٌ يتغير فيه وجه الريف الذي تربينا على قيمه، ذلك الريف الذي كان يحمل بين بيوته عاداتٍ وتقاليد ومبادئ يربّي عليها الصغير، ويحافظ عليها الكبير، وتتناقلها الأجيال كما تتناقل أسماء الأجداد وحكاياتهم.
كان للريف طابعٌ خاص؛ الجار يعرف جاره، والكبير له احترامه، والصغير له توجيهه، والفرح له حدوده، والمناسبات لها حرمتها. لكننا اليوم نشهد تغيرًا مؤلمًا، وكأن بعض قرانا بدأت تتحول تدريجيًا إلى مدن كبيرة يغيب فيها الدفء الاجتماعي، وتتراجع فيها القيم أمام سلوكيات دخيلة لا تشبه ما تربينا عليه.
عندما يتحول الفرح إلى مخالفة
المؤلم أن تظهر في بعض حفلات الزفاف والمناسبات مظاهر لم تكن مألوفة في مجتمعنا، من خمور ومخدرات وسلوكيات تتنافى مع قيم المجتمع وتعاليم الدين، وكأن الفرحة لا تكتمل إلا بما يضر الإنسان ويغضب الله عز وجل.
وهنا لا ينبغي أن نسأل فقط: من المخطئ؟
بل علينا أن نسأل السؤال الأصعب: أين أخطأنا في التربية؟
فالانهيار الأخلاقي لا يبدأ فجأة، ولا يظهر في ليلة واحدة. إنه يبدأ بخطوات صغيرة: كلمة سيئة نسمح بها، وسلوك خاطئ نبرره، ومشهد غير لائق نصمت عنه، وابن يخطئ فنبحث له عن الأعذار بدل أن نعلّمه الصواب.
غياب القدوة… بداية المشكلة
نحن نعيش مرحلة تراجع فيها دور الأسرة، وغابت في بعض البيوت القدوة الحقيقية.
الأب منشغل، والأم مثقلة بأعباء الحياة، والأبناء يتلقون معظم أفكارهم وسلوكياتهم من الشارع والهاتف ومواقع التواصل، بينما تراجعت جلسة الأسرة، وضعف الحوار، وأصبح بعض الآباء يكتفون بالسفر لتوفير المال والطعام والملبس ومتع الحياة ، وكأن التربية مسؤولية المدرسة أو المجتمع فقط.
والحقيقة أن التربية لا تُشترى، ولا تُحمّل على الآخرين؛ التربية تبدأ من البيت.
فالطفل الذي لا يتعلم احترام الكبير، واحترام المرأة، وحفظ الجار، وضبط اللسان، والابتعاد عن الحرام، سيبحث غالبًا عن قدوة أخرى خارج أسرته.
ولا شك أن أسباب الانهيار الأخلاقي يأتي بضعف دور الأسرة والقدوة داخل البيت.
وغياب الحوار بين الآباء والأبناء.
وتقليد سلوكيات دخيلة تحت شعار «كل الناس بتعمل كده».
وانتشار المخدرات أيضا وسهولة الوصول إليها. والاستخدام غير الواعي لمواقع التواصل.
والتساهل مع الخطأ حتى يصبح عادة.
وضعف دور المجتمع في مواجهة السلوكيات المنحرفة.
والخلط بين الفرح الحقيقي وبين الصخب والإسراف والتجاوز.
لكن أخطر الأسباب جميعًا هو الصمت. لأن الخطأ عندما لا يجد من يرفضه، يتحول مع الوقت إلى شيء طبيعي.
هل انتهى كل شيء؟
بالطبع لا.
فالقرية التي استطاعت أن تحافظ على قيمها لعقود، قادرة على استعادتها من جديد، ولكن الأمر يحتاج إلى إرادة جماعية.
إعادة البناء تبدأ من البيت، ثم المدرسة، ثم المسجد، ثم مؤسسات المجتمع، وكل شخص يستطيع أن يؤدي دوره.
علينا أن نعيد للأب مكانته كقدوة، وللأم دورها التربوي، وللكبير احترامه، وللجار حقه، وللطفل حقه في أن يتعلم الأدب قبل أن يتعلم أي شيء آخر.
وعلينا أن نُعيد تعريف الفرح لأبنائنا:
الفرح ليس في الخمر، ولا في المخدرات، ولا في إهانة القيم؛ الفرح الحقيقي أن تفرح دون أن تؤذي نفسك أو غيرك، ودون أن تجعل معصية الله جزءًا من فرحتك.
لنستعيد القرية قبل أن نفقدها
لسنا ضد التطور، ولا نريد العودة إلى الماضي بكل تفاصيله، ولكننا نريد أن نتقدم دون أن نفقد أخلاقنا، وأن نعيش العصر دون أن نفقد هويتنا.
فالقرية ليست مجرد بيوت وشوارع وأراضٍ زراعية؛ القرية أخلاق أهلها، وترابطهم، واحترامهم لبعضهم، وما يتركونه من قيم في نفوس أبنائهم.
وإذا أردنا أن نمنع الانهيار، فعلينا ألا ننتظر حتى تصبح المشكلة أكبر من قدرتنا على علاجها.
فلنبدأ من أنفسنا، ومن بيوتنا، ومن أبنائنا.
فالمجتمع لا ينهار عندما تكثر فيه الأخطاء فقط، وإنما ينهار عندما يصبح الخطأ عاديًا، والصمت عليه فضيلة، والنصيحة تدخلًا في شؤون الآخرين.
وما زال أمامنا وقت لنصلح ما أفسدناه، ونستعيد للريف روحه، وللأسرة دورها، وللتربية مكانتها.
فإذا صلح البيت، صلح أبناؤه… وإذا صلح الأبناء، صلح المجتمع كله.