غفوة على الجانب الأيسر شعر / علي مقلد

كنتُ على الجانب الأيسرِ
للطورِ..
وسيناءُ يكتنفُها فرعانِ من لهبِ
ووحوشُ التيهِ ترقبُ في الظلامِ خطاي
والقمرُ محاقٌ ذابلٌ
كمقاتلٍ توسَّدَ الهزيمةْ
سبقني العدائون نحو القمةْ
وأنا أنبشُ بأظافري الصخرَ
يتهاوى الحلمُ تحت قدمي
أغفو على حلمٍ..
تتداخل الأزمةُ
ويتوهُ المكانُ بناظري:
من هنا مرَّ الفارون،
من هنا جاء الغزاةْ،
هنا سبكوا الذهب المسروق إلهاً،
هنا اصطلى العدوُّ بنارِنا،
هنا دموعُ الانكسارِ وتكبيرةُ النصرِ،
هنا سقى الدمُ الطهورُ المنابعْ،
فتبسَّمَ الزهرُ في الوديانْ،
هنا أجابَ اللهُ سؤلَ موسى!»
حين استعدتُ الوعي
حَمِدْتُ اللهَ أَنَّهُ لَمْ يُجِبْ دُعَائِي!
تراني ماذا دعوتُ؟
دعوتُ أن أحملَ التاجَ والسيفَ والألواحْ،
أن أقبضَ على العرشِ والخزائنِ والأَفْكَارْ:
تجري الشعوبُ مطايا بأمري،
أنهبُ أموالها، أو أمنحها لمن أرتضي،
والخزائنُ لا تفتحُ إلا لمتعتي،
والأفكارُ محرَّمةْ!
فأنا صاحبُ الكلمةِ والفتوى،
وقاضي القضاةْ،
وحارسُ الحانةِ.. والمؤذّنْ!
كان القمرُ باذخاً
والقلبُ كان صافياً
حين أفقتُ؛
خشيتُ أن يعاقبني اللهُ بدعائي،
فتطاردني سيوفُ الغزاةْ
ولعناتُ الألواحْ
وينوءَ ظهرِي بمفاتيحِ الخزائنْ!
قلتُ: لأكن رجلَ دينْ
يملكُ سلطةً مقدسةً؛
الأموالُ موهوبةٌ لله.. لكنها تسقطُ في حِجْرِهِ،
والأفكارُ صحتها مرهونةٌ بإيماءته،
فيحرمُ منها ما يشاءُ، ويغتنمُ..
لكنَّ بقايا من ضميرٍ أيقظَتني:
غفوة على الجانب الأيسر
شعر / علي مقلد
كنتُ على الجانب الأيسرِ
للطورِ..
وسيناءُ يكتنفُها فرعانِ من لهبِ
ووحوشُ التيهِ ترقبُ في الظلامِ خطاي
والقمرُ محاقٌ ذابلٌ
كمقاتلٍ توسَّدَ الهزيمةْ
سبقني العدائون نحو القمةْ
وأنا أنبشُ بأظافري الصخرَ
يتهاوى الحلمُ تحت قدمي
أغفو على حلمٍ..
تتداخل الأزمةُ
ويتوهُ المكانُ بناظري:
من هنا مرَّ الفارون،
من هنا جاء الغزاةْ،
هنا سبكوا الذهب المسروق إلهاً،
هنا اصطلى العدوُّ بنارِنا،
هنا دموعُ الانكسارِ وتكبيرةُ النصرِ،
هنا سقى الدمُ الطهورُ المنابعْ،
فتبسَّمَ الزهرُ في الوديانْ،
هنا أجابَ اللهُ سؤلَ موسى!»
حين استعدتُ الوعي
حَمِدْتُ اللهَ أَنَّهُ لَمْ يُجِبْ دُعَائِي!
تراني ماذا دعوتُ؟
دعوتُ أن أحملَ التاجَ والسيفَ والألواحْ،
أن أقبضَ على العرشِ والخزائنِ والأَفْكَارْ:
تجري الشعوبُ مطايا بأمري،
أنهبُ أموالها، أو أمنحها لمن أرتضي،
والخزائنُ لا تفتحُ إلا لمتعتي،
والأفكارُ محرَّمةْ!
فأنا صاحبُ الكلمةِ والفتوى،
وقاضي القضاةْ،
وحارسُ الحانةِ.. والمؤذّنْ!
كان القمرُ باذخاً
والقلبُ كان صافياً
حين أفقتُ؛
خشيتُ أن يعاقبني اللهُ بدعائي،
فتطاردني سيوفُ الغزاةْ
ولعناتُ الألواحْ
وينوءَ ظهرِي بمفاتيحِ الخزائنْ!
قلتُ: لأكن رجلَ دينْ
يملكُ سلطةً مقدسةً؛
الأموالُ موهوبةٌ لله.. لكنها تسقطُ في حِجْرِهِ،
والأفكارُ صحتها مرهونةٌ بإيماءته،
فيحرمُ منها ما يشاءُ، ويغتنمُ..
لكنَّ بقايا من ضميرٍ أيقظَتني:
كيف أتجرَّأُ على حملِ الأمانةْ
وأكذبُ على اللهِ والناسِ؟
قلتُ: لأكنْ شاعراً
يكتبُ أحلامه على الورقِ ليلاً
ويحرقُها لتذروها الريحْ..
تخصبُ رملَ الطريقْ
فتنبتُ بين شقوقِ الحجرِ
تيناً وزيتوناً
يزدادُ القلقُ بداخلي
وتغيمُ الرؤيا
فأخشى أن يأتيَ
الطوفانُ والغرقْ..
لا السفينةُ جاهزةٌ
ولا عاد في الجسدِ
صحةٌ تبلغُني الجبلْ!
كيف أتجرَّأُ على حملِ الأمانةْ
وأكذبُ على اللهِ والناسِ؟
قلتُ: لأكنْ شاعراً
يكتبُ أحلامه على الورقِ ليلاً
ويحرقُها لتذروها الريحْ..
تخصبُ رملَ الطريقْ
فتنبتُ بين شقوقِ الحجرِ
تيناً وزيتوناً
يزدادُ القلقُ بداخلي
وتغيمُ الرؤيا
فأخشى أن يأتيَ
الطوفانُ والغرقْ..
لا السفينةُ جاهزةٌ
ولا عاد في الجسدِ
صحةٌ تبلغُني الجبلْ!
=====================
شرح القصيدة – رحلة سقوط الإنسان في فتنة السلطة:
القصيدة ليست وصفاً لسيناء، بل هي محاكمة للذات الإنسانية حين تحلم بالسلطة المطلقة.
1. المشهد الافتتاحي – التيه:
كنتُ على الجانب الأيسرِ للطور..
اختيار “الجانب الأيسر” مقصود. في التصوف والقرآن، الجانب الأيمن هو جانب النور والوحي (وادي الأيمن)، أما الأيسر فهو جانب الشهوة والظلام والشيطان. الشاعر في موضع موسى لكنه في الجانب المعاكس، جانب الغواية. القمر “محاق ذابل كمقاتل توسد الهزيمة” هو قلب الشاعر نفسه في تلك اللحظة – مهزوم، متعب، يسبقه العداؤون نحو القمة وهو ينبش الصخر بأظافره.
2. الغفوة والرؤيا التاريخية:
حين يغفو، يرى تاريخ سيناء كله يتداخل في لحظة واحدة:
من هنا مر الفارون، من هنا جاء الغزاة
سيناء هي مسرح الخلاص والخيانة معاً. هنا فر بنو إسرائيل، وهنا جاء الغزاة، وهنا صنعوا العجل الذهبي سبكوا الذهب المسروق إلهاً، وهنا كانت دموع الانكسار 67 وتكبيرة نصر 73، وهنا سقى الدم الطهور المنابع.
3. الدعاء المرعب – قلب القصيدة:
حمدت الله أنه لم يجب دعائي! تراني ماذا دعوت؟
وهنا الصدمة. دعا أن يكون طاغيةً مطلقاً:
- يملك التاج والسيف والألواح: السلطة السياسية والعسكرية والدينية معاً.
تجري الشعوب مطايا بأمري– النزعة الفرعونيةحارس الحانة.. والمؤذن!– قمة التناقض والانفصام، يملك المقدس والمدنس، يفتي ويُسكر في نفس الوقت.
هذا هو حلم الاستبداد الذي يسكن كل نفس.
4. الاستيقاظ وبدائل السلطة:
يفيق والقمر أصبح “باذخاً” والقلب صافياً، فيخاف من دعائه. يبدأ يخفف الحلم:
لأكن رجل دين يملك سلطة مقدسة – يفكر أن يختبئ وراء الدين، الأموال لله لكنها تقع في حجره، يحرم الأفكار. لكن بقايا ضمير تمنعه كيف أكذب على الله والناس؟
5. الخلاص النهائي – أن يكون شاعراً:
الحل الوحيد للنجاة من لعنة التاج والخزائن والألواح هو أن يكون شاعراً:
يكتب أحلامه على الورق ليلاً ويحرقها لتذروها الريح.. تخصب رمل الطريق
الشاعر لا يملك سلطة، لكن كلماته المحترقة تتحول إلى تين وزيتون – رمز سورة التين والقسم بسيناء – تنبت بين شقوق الحجر.
ويختم بقلق وجودي نبوي: أخشى أن يأتي الطوفان والغرق.. لا السفينة جاهزة ولا عاد في الجسد صحة تبلغني الجبل! – لا هو نوح الذي يملك سفينة النجاة، ولا هو موسى الذي يملك القوة ليصعد الجبل. هو إنسان عادي معلق بين الطوفان القادم والعجز.
القصيدة كلها صرخة ضد اغتصاب السلطة باسم الدين والسياسة.