المولد النبوي في الإسكندرية.. حين تتحول الذكرى إلى ميراث شعبي لا يموت

من حلوى المولد وعروسة الأطفال إلى حلقات الذكر وموائد الشربات.. حكاية مدينة جعلت من المحبة عادة ومن الفرح ذاكرة

بقلم : دمها بسطاوى

في الإسكندرية، لا يأتي المولد النبوي الشريف كذكرى دينية عابرة تمر في التقويم ثم تنقضي، وإنما يعود كل عام كموعد مع الذاكرة، وكأن المدينة تستدعي جزءًا من روحها القديمة.

بين شوارع الأحياء العتيقة، ورائحة البحر التي تختلط بروائح حلوى المولد، وأصوات المدائح والابتهالات المنبعثة من المساجد والزوايا، تبدو الإسكندرية في هذه المناسبة وكأنها تفتح صفحات من تاريخها الاجتماعي، لتستعيد عادات توارثها الآباء عن الأجداد، ثم حملها الأبناء إلى أبنائهم.

هنا لا يكون الاحتفال مجرد مناسبة دينية، بل يصبح حالة شعبية كاملة؛ فيها العبادة والفرح، وفيها صلة الرحم والكرم، وفيها الحكايات التي لا تحتاج إلى كتب كي تبقى، لأن الذاكرة الشعبية وحدها كانت كفيلة بحفظها.

حلوى المولد.. طعم من الذاكرة

قبل حلول المولد بأيام، كانت الأسواق والمحال ترتدي ثوبها الاحتفالي، وتظهر ألوان حلوى المولد بأشكالها المختلفة: الحمّصية، والسمسمية، والفولية، والملبن وغيرها.

أما الأطفال، فكان لهم موعدهم الخاص مع عروسة المولد وحصان المولد.

لم تكن تلك الأشياء بالنسبة لهم مجرد حلوى أو ألعاب، وإنما كانت جزءًا من طقوس البهجة التي ارتبطت بالمناسبة في الوجدان المصري. وكان الحصول عليها حدثًا ينتظره الصغار بشغف، تمامًا كما ينتظرون ملابس العيد.

وفي البيوت، كانت الحلوى تنتقل من يد إلى أخرى، ومن بيت إلى بيت، في صورة بسيطة من صور المحبة وصلة الرحم، حتى أصبح طبق حلوى المولد يحمل معنى أكبر بكثير من قيمته المادية.

حين كانت الشوارع تقدم الشربات

ومن أجمل الصور التي ارتبطت بذاكرة المولد في الإسكندرية عادة توزيع الشربات على المارة.

كانت بعض الأسر تقيم موائد صغيرة أمام المنازل أو عند مداخل الحارات، وتقدم أكواب الشربات لكل عابر سبيل، دون سؤال عن اسمه أو مكانه.

كان المشهد بسيطًا، لكنه يحمل معنى عميقًا.

الأطفال يشاركون في التوزيع، والكبار يتبادلون التهاني، وأصوات الصلاة على النبي تتردد في المكان، بينما يتحول الشارع للحظات إلى مساحة مفتوحة للفرح والمشاركة.

لم يكن الشربات مجرد مشروب يُقدَّم في مناسبة، وإنما كان لغة شعبية للكرم والمحبة.

من المساجد والزوايا.. صوت السيرة والمديح

وفي أحياء الإسكندرية القديمة، ارتبط المولد كذلك بحلقات الذكر والإنشاد الديني داخل المساجد والزوايا.

كانت الليالي تمتلئ بأصوات المداحين والمنشدين وهم يروون السيرة النبوية وينشدون قصائد المحبة في رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيلتف حولهم الناس في مشهد يجمع بين روحانية المناسبة وبساطة الاحتفال الشعبي.

وكانت الأسر تحرص على اصطحاب أطفالها إلى هذه المجالس، ليعيشوا أجواء المناسبة بأنفسهم، ويتعرفوا إلى السيرة النبوية من خلال الحكاية والإنشاد والمشاركة.

وهكذا لم تكن المناسبة مجرد احتفال يُشاهده الأطفال، وإنما تجربة يتعلمون من خلالها معنى المحبة والانتماء والتكافل.

بحري والأنفوشي والمنشية.. ذاكرة لا تزال تتنفس

في أحياء الإسكندرية القديمة، مثل بحري والأنفوشي وكوم الدكة والمنشية، ظل للمولد مذاق خاص في الذاكرة الشعبية.

كان الأطفال ينتظرونه بشغف، وكانت الجدات يستعدن حكاياتهن عن مولد الأمس، عن الشوارع التي كانت أكثر هدوءًا، والبيوت التي كانت أبوابها مفتوحة للجيران، وعن الحلوى التي كانت تُشترى بفرحة تفوق قيمتها.

ومن هنا تحولت المناسبة إلى وسيلة غير مكتوبة لنقل التراث.

لم تكن هناك كتب لتشرح للأطفال معنى كل عادة، وإنما كان الطفل يرى أباه يفعلها، وأمه تحكي عنها، وجدته تستعيد ذكرياتها، فيكبر وهو يحمل جزءًا من الحكاية.

المولد.. حين يصبح الفرح عملًا اجتماعيًا

وربما كان أجمل ما يميز المولد النبوي في الذاكرة السكندرية ذلك المزج بين الاحتفاء الديني والبعد الاجتماعي.

فالفرحة بالمناسبة لم تكن تنفصل عن الصدقة، ولا عن صلة الرحم، ولا عن إطعام الفقراء والمحتاجين.

كانت موائد الطعام تُقام، وتزداد أعمال الخير، ويتبادل الناس الزيارات والهدايا، وكأن المجتمع يستحضر في المناسبة المعاني الإنسانية التي ارتبطت بسيرة النبي الكريم: الرحمة، والتكافل، والعطاء، ومساعدة المحتاج.

وهنا تكمن القيمة الحقيقية للموروث الشعبي؛ فالعادات لا تكون مهمة لمجرد قدمها، وإنما لما تحمله من قيم تستحق أن تنتقل إلى الأجيال الجديدة.

الزمن تغير.. لكن الحكاية لم تنتهِ

تغيرت الإسكندرية كثيرًا.

تغيرت الشوارع، وتسارعت الحياة، واختلفت وسائل الاحتفال، وتراجعت بعض العادات القديمة أمام إيقاع العصر.

لكن المولد النبوي لا يزال حاضرًا.

ما زالت حلوى المولد تملأ الأسواق، وما زالت الأسر تتبادل الزيارات، وما زالت المساجد تشهد مجالس الذكر والابتهالات، وما زال الأطفال ينتظرون نصيبهم من فرحة المناسبة.

قد تتغير التفاصيل، لكن جوهر الحكاية يبقى.

فالمولد النبوي في الإسكندرية ليس مجرد طقس موسمي يعود مرة كل عام، بل هو صفحة من الذاكرة الاجتماعية لمدينة عاشت قرونًا وهي تمزج بين البحر والحكاية، وبين الدين والحياة، وبين الماضي والحاضر.

إنها مدينة صنعت من المحبة عادة، ومن الفرح ميراثًا، ومن المناسبة فرصة لاستعادة قيم كادت الحياة الحديثة أن تنسي الناس أهميتها.

وبين عروسة المولد، وحصان الأطفال، وحلوى البيوت، ومجالس الذكر، وأكواب الشربات التي كانت تمتد إلى كل عابر سبيل، تبقى حكاية الإسكندرية حية.

فبعض الذكريات لا تسكن الصور القديمة، ولا تحتاج إلى متحف كي تحفظها…

إنها تسكن القلوب، وكلما جاء المولد النبوي.. أضاءت من جديد.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى