المراوغة السياسية في شنّ الحروب… فنٌّ استراتيجي أم فخٌّ لابتلاع الضحية؟

د. ليون سيوفي باحث وكاتب سياسي
في السياسة، لا تبدأ الحروب عندما تنطلق أول رصاصة، بل عندما تبدأ المراوغة. فقبل أن تسقط المدن، تُزرع الشكوك. وقبل أن تُقصف الجسور، تُقصف الحقائق. وقبل أن يسيل الدم، تُدار معركة التضليل.
المراوغة السياسية ليست مجرد لغة دبلوماسية ناعمة، بل قد تكون، في بعض الحالات، سلاحًا بالغ الخطورة. فهي تقوم على إخفاء النوايا، وإرسال رسائل متناقضة، وفتح باب للمفاوضات بينما تُفتح في الوقت نفسه مخازن السلاح، وإطلاق وعود بالسلام بالتوازي مع الاستعداد للمواجهة.
وهنا يكمن السؤال الأخطر: هل المراوغة فن لإدارة الأزمات، أم وسيلة لدفع الخصم إلى الوقوع في الفخ؟
في العلاقات الدولية، قد تستخدم الدول المراوغة لكسب الوقت، أو لتأجيل الصدام، أو لتعزيز موقعها التفاوضي. لكن التاريخ يُظهر أيضًا أن المراوغة استُخدمت مرارًا لاستدراج الخصوم إلى قرارات خاطئة، أو إلى ردود فعل تمنح الطرف الآخر الذريعة التي كان يبحث عنها.
كم من حرب قيل إنها لن تقع ثم اندلعت؟ وكم من تصريح مطمئن أعقبته ساعات من القصف؟ وكم من مفاوضات استمرت أمام عدسات الكاميرات بينما كانت الخطط العسكرية تُستكمل في غرف العمليات؟
إن أخطر أنواع المراوغة هو ذلك الذي يجعل الضحية تعتقد أنها ما زالت تملك الوقت، بينما تكون الساعة قد بدأت بالفعل بالعد التنازلي. فالطرف الذي ينجح في جعل خصمه يسيء تقدير الموقف يكون قد حقق أول انتصار قبل أن تبدأ المعركة.
ولذلك، فإن الحرب الحديثة ليست حرب دبابات وطائرات فقط، بل حرب معلومات، وحرب تضليل، وحرب نفسية، وحرب لإرباك القرار السياسي والعسكري. وقد تكون الكلمة المضللة أحيانًا أشد أثرًا من الصاروخ، لأنها تغيّر القرار الذي يحدد مصير دولة بأكملها.
لكن المراوغة ليست دائمًا عملًا مشروعًا أو أخلاقيًا. فعندما تتحول إلى وسيلة لخداع الشعوب، أو لتبرير إشعال الحروب، أو لإخفاء الأهداف الحقيقية، فإنها تصبح شريكًا في صناعة الكارثة. عندها لا يكون الضحايا هم السياسيين، بل المدنيون الذين يفقدون أبناءهم، وتُدمَّر بيوتهم، وتنهار اقتصاداتهم.
السياسي المسؤول يستخدم الحكمة لتجنب الحرب. أما من يستخدم المراوغة لجرّ الآخرين إليها، فإنه قد يحقق مكسبًا سياسيًا مؤقتًا، لكنه يترك وراءه أجيالًا تدفع ثمن ذلك لعقود.
إن أخطر ما في المراوغة السياسية أنها لا تقتل الحقيقة فقط، بل قد تقتل الإنسان أيضًا.
ولذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل المراوغة فن أم فخ؟
بل هو: من يملك المراوغة؟ ومن يقع ضحية لها؟
فإذا كانت المراوغة تهدف إلى منع الحرب، فهي أداة سياسية مشروعة. أما إذا كانت تُستخدم لخداع الخصم أو تضليل الشعوب أو خلق الذرائع لإشعال الصراعات، فإنها تتحول إلى فخ استراتيجي قد يقود دولًا بأكملها إلى الهاوية.
الحروب لا تبدأ عندما يُطلق أول صاروخ، بل عندما ينجح الخداع في إقناع الجميع بأن الحرب لن تقع… حتى تقع..