محمد غزال يكتب: بين سد النهضة ومشروعات التوسع الزراعي… كيف حوّلت مصر التحديات المائية إلى فرص استراتيجية؟

بقلم: محمد غزال «مفكر سياسي»
منذ الإعلان عن مشروع سد النهضة الإثيوبي، انشغل الرأي العام المصري بمتابعة تداعياته المحتملة على الأمن المائي للدولة المصرية، باعتبار نهر النيل يمثل المصدر الرئيسي للمياه العذبة التي تعتمد عليها البلاد في الزراعة والصناعة والشرب والتنمية.
وخلال أكثر من عقد من الزمن، تباينت التقديرات بين من رأى في السد تهديدًا وجوديًا، وبين من اعتبر أن إدارة الأزمة بهدوء وحكمة قد تمنح مصر الوقت الكافي لإعادة بناء منظومتها المائية والزراعية بصورة أكثر كفاءة واستدامة.
ومع تطور المشهد، أصبح واضحًا أن القاهرة لم تكتفِ بإدارة الأزمة دبلوماسيًا، بل شرعت في تنفيذ واحدة من أكبر خطط إعادة هيكلة الموارد المائية والتوسع الزراعي في تاريخها الحديث، في محاولة لتحويل التحديات إلى فرص، وتقليل الاعتماد على النمط التقليدي لاستغلال المياه.
لقد اتجهت الدولة المصرية إلى تبني استراتيجية متكاملة تقوم على تنويع مصادر المياه، وتعظيم الاستفادة من كل قطرة متاحة، بالتوازي مع تنفيذ مشروعات قومية ضخمة لإضافة مساحات زراعية جديدة، بما يعزز الأمن الغذائي ويقلل من فجوة الاستيراد، ويرفع قدرة الاقتصاد الوطني على مواجهة المتغيرات الإقليمية والدولية.
ومن أبرز هذه المشروعات مشروع الدلتا الجديدة، ومشروعات تنمية توشكى، وشرق العوينات، وغيرها من المناطق التي تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى محاور إنتاج زراعي واعدة، تعتمد على بنية تحتية حديثة وشبكات ري أكثر كفاءة، مع استثمارات ضخمة في محطات الرفع، وشبكات نقل المياه، والطرق والخدمات اللوجستية.
وتبرز منطقة توشكى باعتبارها أحد أهم النماذج التطبيقية لهذه الرؤية. فقد شهدت المنطقة توسعات ملحوظة في أعمال البنية الأساسية، إلى جانب تطوير البحيرات والمفيضات ومحطات رفع المياه، بما يسمح بالاستفادة المثلى من الموارد المائية المتاحة، سواء في تخزين المياه أو إعادة توجيهها لخدمة خطط التنمية الزراعية والعمرانية في جنوب مصر.
كما تمثل بحيرة ناصر عنصرًا محوريًا في منظومة الأمن المائي المصري، فهي تعد الخزان الاستراتيجي الأكبر للمياه، وتوفر للدولة هامشًا مهمًا لإدارة التغيرات الموسمية والتعامل مع حالات الجفاف أو الفيضانات، وهو ما يمنح صانع القرار قدرة أكبر على المناورة في مواجهة المتغيرات الهيدرولوجية التي قد يشهدها حوض النيل.
وفي هذا السياق، يرى عدد من المحللين أن سنوات ملء سد النهضة، رغم ما صاحبها من مخاوف وتوترات سياسية، أتاحت لمصر فرصة لتسريع تنفيذ مشروعاتها القومية في مجال إدارة المياه واستصلاح الأراضي، بحيث أصبحت الدولة أكثر استعدادًا للتعامل مع مختلف السيناريوهات، سواء ما يتعلق بنقص الإمدادات المائية أو زيادة التدفقات الناتجة عن الظروف الطبيعية أو التشغيلية.
ولا يقتصر الأمر على إنشاء المشروعات، بل يمتد إلى تطوير منظومة الري الحديثة، وإعادة استخدام مياه الصرف الزراعي بعد معالجتها، وإنشاء محطات معالجة عملاقة، والتوسع في تحلية مياه البحر، وهي جميعها تمثل ركائز أساسية لاستراتيجية مصر الهادفة إلى تحقيق الأمن المائي بعيدًا عن الاعتماد على مصدر واحد.
وفي المقابل، لا تزال إثيوبيا تواجه تحديات تتعلق بتعظيم الاستفادة الاقتصادية من السد، سواء من حيث تصدير الكهرباء أو استكمال شبكات النقل والتوزيع، إضافة إلى ضرورة تحقيق توافق إقليمي يضمن استقرار تشغيل السد وعدم تحوله إلى مصدر دائم للتوتر بين دول الحوض. ومن ثم، فإن تقييم نجاح أو إخفاق المشروع يظل مرهونًا بعوامل فنية واقتصادية وسياسية معقدة، وليس فقط بحجم المياه المخزنة خلف السد.
ومن الناحية الاستراتيجية، فإن الدول لا تُقاس قوتها فقط بما تمتلكه من موارد طبيعية، وإنما بقدرتها على إدارة تلك الموارد وتحويل الأزمات إلى أدوات للبناء والتنمية. وقد سعت مصر خلال السنوات الأخيرة إلى تبني هذا النهج من خلال الاستثمار المكثف في البنية التحتية المائية والزراعية، وتوسيع الرقعة الزراعية، ورفع كفاءة استخدام المياه، بما يعزز قدرتها على مواجهة التحديات المستقبلية.
كما أن الاستعداد للتعامل مع السيناريوهات المختلفة، بما فيها احتمالات الفيضانات أو التغيرات المفاجئة في تدفقات المياه، يمثل جزءًا أصيلًا من فلسفة إدارة المخاطر التي تتبعها الدولة، حيث يجري العمل على تطوير منظومة متكاملة من السدود والبحيرات ومحطات الرفع وشبكات التصريف، بما يحقق أعلى درجات الأمان المائي.
ويبقى الدرس الأهم الذي فرضته أزمة سد النهضة هو أن الأمن المائي لم يعد قضية مرتبطة بالمفاوضات وحدها، بل أصبح مشروعًا تنمويًا شاملاً يتطلب استثمارات مستمرة، وتخطيطًا طويل الأجل، وإدارة علمية دقيقة للموارد، مع تعزيز التعاون الإقليمي بما يحقق مصالح جميع دول حوض النيل وفق قواعد القانون الدولي ومبادئ الاستخدام المنصف وعدم الإضرار.
وفي النهاية، فإن التجربة المصرية خلال السنوات الأخيرة تؤكد أن مواجهة التحديات الكبرى لا تكون بردود الأفعال، وإنما ببناء القدرات، وتنفيذ المشروعات الاستراتيجية، والاستثمار في المستقبل.
فكل مشروع جديد في الزراعة أو إدارة المياه يمثل خطوة إضافية نحو تعزيز الأمن القومي، وترسيخ قدرة الدولة على حماية مصالحها وتحقيق التنمية المستدامة للأجيال القادمة.