*حين تتكلم الرمال.. إفريقيا المنسية* *إفريقيا ليست من العالم الثالث.. بل العالم الذي نُهب أولًا*

بقلم : د. مها بسطاوى

من أكثر المصطلحات ظلمًا في التاريخ الحديث ذلك المصطلح الذي التصق بإفريقيا لعقود طويلة: ” *العالم الثالث* “. تكررت العبارة في الكتب المدرسية، والتقارير الدولية، والبرامج الوثائقية، حتى ترسخت في الأذهان باعتبارها وصفًا طبيعيًا لقارة تعاني الفقر والتخلف وعدم الاستقرار. لكن المشكلة أن كثيرًا من الناس يتعاملون مع هذه النتيجة وكأنها حقيقة أزلية، دون أن يتوقفوا لطرح سؤال بسيط: *هل كانت إفريقيا فقيرة أصلًا؟*
الحقيقة أن معظم النقاشات حول إفريقيا تبدأ من النهاية لا من البداية. يبدأ الحديث عن المجاعات قبل الحديث عن الأراضي الخصبة، وعن الفقر قبل الحديث عن الثروات، وعن الأزمات قبل الحديث عن الأسباب التي صنعتها. وهكذا تشكلت صورة ذهنية تصور القارة وكأنها فشلت وحدها، بينما يتجاهل كثيرون ما تعرضت له عبر قرون طويلة من الاستنزاف المنظم الذي لا يزال أثره حاضرًا حتى اليوم.
لو نظرنا إلى خريطة الثروات الطبيعية في العالم سنجد مفارقة تكاد تكون صادمة. إفريقيا تضم احتياطيات هائلة من الذهب والماس والكوبالت والنفط والغاز الطبيعي واليورانيوم والنحاس والليثيوم والمنجنيز وعشرات الموارد الاستراتيجية التي يقوم عليها الاقتصاد العالمي الحديث. بعض الصناعات التكنولوجية التي يعتمد عليها العالم اليوم لا تستطيع الاستمرار دون المعادن المستخرجة من باطن الأرض الإفريقية. ومع ذلك ما زالت القارة تُقدَّم باعتبارها رمزًا للفقر والعجز.
*كيف يمكن تفسير هذا التناقض؟*
*كيف يمكن لقارة بهذا الحجم من الثروات أن تضم بعضًا من أكثر شعوب العالم معاناة؟*
الإجابة ربما تكمن في الفرق بين امتلاك الثروة وامتلاك السيطرة عليها.

قبل أن تصل القوى الأوروبية إلى إفريقيا، لم تكن القارة مساحة فارغة تنتظر من يكتشفها كما تصور بعض السرديات القديمة. كانت هناك ممالك قوية وإمبراطوريات واسعة وشبكات تجارة تربط مناطق شاسعة من القارة بالعالم الإسلامي والبحر المتوسط وشرق آسيا. كانت تمبكتو مركزًا علميًا مهمًا، وكانت إمبراطورية مالي واحدة من أغنى الكيانات السياسية في عصرها، وكانت الطرق التجارية العابرة للصحراء تنقل الذهب والملح والبضائع والأفكار بين الشعوب المختلفة.
لكن التاريخ غالبًا يُكتب بأقلام المنتصرين. ولذلك اختفت صفحات كاملة من الذاكرة العالمية. أصبح العالم يعرف أسماء ملوك أوروبا أكثر مما يعرف أسماء الحكام الذين أسسوا أكبر الإمبراطوريات الإفريقية. وأصبحت إنجازات القارة مجرد هامش صغير في كتب التاريخ العالمية رغم أن تأثيرها كان أكبر بكثير مما يتخيل كثيرون.
ثم جاءت تجارة الرقيق، لتبدأ واحدة من أكثر المراحل تدميرًا في تاريخ القارة. لم تكن القضية مجرد نقل ملايين البشر إلى قارات أخرى، بل كانت عملية نزف بشري واقتصادي واجتماعي استمرت لقرون. كل شاب كان يُنتزع من أرضه لم يكن مجرد رقم في سجل تجاري، بل كان مزارعًا أو حرفيًا أو مقاتلًا أو أبًا أو قائدًا محتملًا. وعندما تفقد المجتمعات طاقاتها البشرية بهذا الحجم الهائل، فإنها لا تفقد حاضرها فقط، بل تفقد مستقبلها أيضًا.
في الوقت نفسه كانت الاقتصادات التي استفادت من هذه التجارة تحقق أرباحًا ضخمة وتراكم رؤوس أموال هائلة ساهمت فيما بعد في بناء مؤسسات اقتصادية وصناعية عملاقة. وبينما كانت الموانئ الأوروبية تنمو وتزدهر، كانت مناطق واسعة من إفريقيا تعاني من آثار الاستنزاف المستمر.
ومع بداية التوسع الاستعماري المباشر، لم تعد إفريقيا مجرد مصدر للبشر، بل تحولت إلى مخزن مفتوح للمواد الخام. لم يكن الهدف بناء اقتصادات محلية قوية أو إنشاء أنظمة إنتاج متكاملة، بل كان الهدف الأساسي استخراج الموارد ونقلها إلى الخارج بأكبر قدر ممكن من الكفاءة. ولهذا السبب بُنيت كثير من خطوط السكك الحديدية والطرق لتربط المناجم بالموانئ، لا لتربط المدن ببعضها. كان المنطق الحاكم واضحًا: المطلوب هو إخراج الثروة، لا تنمية المكان الذي توجد فيه.
حتى الحدود السياسية التي نعرفها اليوم في العديد من الدول الإفريقية وُلدت في غرف اجتماعات بعيدة عن القارة نفسها. رُسمت خطوط على الخرائط دون اهتمام كافٍ بالقبائل أو المجموعات العرقية أو الامتدادات الثقافية والتاريخية. وكانت النتيجة أن كثيرًا من الدول ورثت توترات وصراعات لم تصنعها بنفسها، لكنها اضطرت للتعامل معها بعد الاستقلال.
عندما انتهى الاستعمار العسكري رسميًا، اعتقد كثيرون أن زمن السيطرة الخارجية قد انتهى. لكن الواقع كان أكثر تعقيدًا. صحيح أن الأعلام الأجنبية أُنزلت من فوق المباني الحكومية، إلا أن كثيرًا من البنى الاقتصادية التي تأسست خلال الحقبة الاستعمارية استمرت في العمل بالطريقة نفسها تقريبًا. بقيت القارة في كثير من الأحيان مصدرًا للمواد الخام أكثر من كونها مركزًا للتصنيع والإنتاج النهائي، وهنا تظهر المفارقة الكبرى.
إذا استخرجت دولة إفريقية معدنًا نادرًا وباعته خامًا، فإنها تحصل على جزء محدود من قيمته. أما القيمة الأكبر فتتحقق لاحقًا عندما يُحوَّل ذلك المعدن إلى بطاريات أو أجهزة إلكترونية أو منتجات صناعية متقدمة. بمعنى آخر، كثير من الثروة الحقيقية لا تتولد عند استخراج المورد، بل عند تصنيعه وتسويقه والتحكم في سلاسل الإمداد المرتبطة به.
وهذا ما يفسر جزئيًا لماذا يمكن أن تكون الدولة غنية بالموارد وفقيرة في النتائج.
والمثال الأشهر اليوم هو *الكوبالت* ، أحد المعادن الأساسية في البطاريات الحديثة. فبينما تمتلك إفريقيا نسبة كبيرة من الموارد المطلوبة للثورة التكنولوجية الجديدة، فإن معظم الأرباح النهائية تتحقق في أماكن أخرى من العالم حيث توجد الصناعات المتقدمة والشركات العملاقة ومراكز الابتكار.
لكن المشكلة لا يمكن اختزالها بالكامل في العامل الخارجي. فالحقيقة تقتضي الاعتراف بأن القارة عانت أيضًا من أخطاء داخلية جسيمة. شهدت بعض الدول فسادًا مزمنًا، وصراعات على السلطة، وانقلابات عسكرية، وحروبًا أهلية استنزفت طاقاتها لعقود. كما أهدرت بعض النخب السياسية فرصًا تاريخية كان يمكن أن تغير واقع شعوبها بصورة جذرية.
ومع ذلك فإن تحميل إفريقيا وحدها مسؤولية ما حدث يشبه تحميل مريض مسؤولية الجرح دون الحديث عمّن تسبب فيه أصلًا.
العدل يقتضي النظر إلى الصورة كاملة، فلا يمكن فهم الواقع الإفريقي من دون فهم قرون الاستنزاف السابقة، كما لا يمكن فهمه دون الاعتراف بالأخطاء المحلية التي أعاقت التنمية في مراحل لاحقة. المشكلة أن كثيرًا من الخطابات العالمية تختار أحد التفسيرين وتستبعد الآخر، بينما الحقيقة تقع غالبًا في المساحة الواقعة بينهما.
الأخطر من كل ذلك هو الصورة الإعلامية التي تشكلت عن القارة. فعندما تُذكر إفريقيا في نشرات الأخبار، تظهر غالبًا في سياق المآسي والكوارث والصراعات. يتابع المشاهد المجاعات والأوبئة والحروب، لكنه نادرًا ما يرى الجامعات الحديثة أو الشركات الناشئة أو المشروعات الضخمة أو المدن التي تنمو بسرعة أو الطبقات الوسطى التي تتوسع في عدد من الدول.
ومع مرور الوقت تتحول الصورة الجزئية إلى صورة كاملة في ذهن المتلقي.
يبدأ العالم في رؤية إفريقيا من خلال مشكلاتها فقط، لا من خلال إمكاناتها.
ويبدأ بعض الأفارقة أنفسهم في النظر إلى قارتهم من المنظار ذاته.
وهنا تحدث أخطر أنواع الهزائم: الهزيمة النفسية، فعندما يقتنع شعب ما بأنه عاجز أو متأخر بطبيعته، تصبح عملية النهوض أصعب كثيرًا من نقص المال أو الموارد. التنمية تبدأ بالمصانع والجامعات، لكنها تبدأ أيضًا بالثقة بالنفس وبالقدرة على تخيل مستقبل مختلف.
*لهذا فإن السؤال الصحيح ليس: لماذا إفريقيا فقيرة؟*
*أما السؤال الأدق فهو: لماذا لم تتحول كل هذه الثروات إلى رخاء شامل حتى الآن؟*
هذا السؤال يغير زاوية النظر بالكامل. فهو لا ينطلق من فكرة العجز، بل من فكرة الإمكانات المهدرة.
ربما آن الأوان للتوقف عن استخدام وصف “العالم الثالث” عند الحديث عن إفريقيا. فالقارة التي يمتد تاريخها لآلاف السنين، والتي ساهمت في التجارة العالمية، وامتلكت إمبراطوريات مؤثرة، وتختزن جزءًا هائلًا من موارد الكوكب الطبيعية، لا يمكن اختصارها في تصنيف صُمم أصلًا خلال ظروف سياسية مختلفة.
إفريقيا ليست قصة فشل مستمر كما يتصور البعض، وليست أيضًا قصة مؤامرة كونية كما يعتقد آخرون. إنها قصة قارة دفعت أثمانًا باهظة عبر التاريخ، وارتكبت أخطاءها الخاصة في الوقت نفسه، لكنها ما زالت تمتلك من المقومات ما يجعل كثيرين يرون فيها أحد أهم مراكز القوة المستقبلية في العالم.
ولذلك ربما يجب أن نتوقف عن وصفها بأنها من العالم الثالث، لأن الوصف الأكثر دقة قد يكون شيئًا آخر تمامًا:

**إفريقيا ليست قارة فقيرة. إفريقيا قارة غنية عاش كثير من أبنائها فقراء لأن ثرواتها كانت مطمعًا للجميع.**
وربما لهذا السبب بالذات، عندما تتكلم الرمال أخيرًا، لن تحكي قصة قارة متخلفة كما قيل لنا طويلًا، بل ستروي قصة قارة نُهبت قبل أن تُمنح فرصة عادلة لتثبت من تكون.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى