هل تمنح الرصاصة الأولى حق إطلاق النار بلا حدود؟ بقلم: علي خليل

في الحروب والصراعات، كثيرًا ما يبدأ الجدل بالسؤال الأسهل: من أطلق الرصاصة الأولى؟ ومن بدأ الهجوم؟ ومن يتحمل مسؤولية إشعال المواجهة؟ وهو سؤال مهم بلا شك، لكنه يصبح خطيرًا عندما يتحول من وسيلة لفهم المسؤولية إلى مبرر مفتوح لكل ما يأتي بعده. فكون طرف ما بدأ الحرب لا يعني أن الطرف الآخر حصل، بمجرد تعرضه للهجوم، على تفويض مفتوح لفعل أي شيء، وضرب أي هدف، واستخدام أي وسيلة، دون حدود أو حسابات أو تمييز بين المقاتل والمدني.
المشكلة الحقيقية ليست فقط في تحديد من بدأ، وإنما في تحديد ما الذي يحق لكل طرف أن يفعله بعد البداية. فهناك فارق جوهري بين مسؤولية إشعال الحرب ومسؤولية إدارة الحرب، وبين حق الدفاع عن النفس وبين تحويل هذا الحق إلى انتقام، وبين الرد على خطر قائم وبين توسيع دائرة العقاب لتشمل من لا علاقة لهم بالقتال. وإذا لم نضع هذا الفارق في مكانه الصحيح، فإن العالم لن يعود أمام قواعد تحكم الحروب، وإنما أمام قاعدة واحدة خطيرة تقول إن من يبدأ يتحمل كل ما يحدث بعد ذلك، وكأن الطرف الآخر حصل على رخصة بلا سقف.
وهنا يصبح السؤال أكبر من إسرائيل وإيران أو حزب الله أو أي دولة أو جماعة أخرى.
السؤال يتعلق بمبدأ يجب أن يطبق على الجميع، لأن العدالة التي تتغير قواعدها بحسب اسم الطرف أو هويته أو موقعه السياسي ليست عدالة، والقانون الذي يصبح أكثر صرامة مع خصم وأشد تساهلًا مع حليف يفقد جوهره قبل أن يفقد نصوصه.
لا خلاف على أن الدولة أو الجماعة التي تبدأ عملًا مسلحًا تتحمل مسؤولية قرارها، وأن الاعتداء لا يمكن تبريره لمجرد وجود خلاف سياسي أو تاريخ طويل من الصراع. لكن الاعتراف بهذه المسؤولية لا يعني إسقاط مسؤولية الطرف الآخر عن أفعاله. فالمسؤوليات لا تلغي بعضها بعضًا. وإذا ارتكب طرف جريمة، فهذا لا يجعل الجريمة التي يرتكبها الطرف المقابل مشروعة تلقائيًا. وإذا بدأ طرف العدوان، فهذا لا يحول كل ما يفعله الطرف الآخر إلى دفاع مشروع.
هذه النقطة تبدو بسيطة، لكنها من أكثر النقاط التي يجري تجاوزها في الخطاب السياسي والإعلامي. فغالبًا ما يتحول النقاش من سؤال: ماذا حدث؟ إلى سؤال واحد فقط: من بدأ؟ وبعد تحديد البادئ، يجري التعامل مع كل ما يأتي بعد ذلك باعتباره نتيجة طبيعية أو حتمية أو حتى مشروعة. وكأن الرصاصة الأولى تمنح صاحبها وحده المسؤولية، ثم ترفع عن الطرف الآخر كل مسؤولية لاحقة مهما بلغ حجمها أو اتساعها.
لكن الحروب لا تعمل بهذه الطريقة.
حق الدفاع عن النفس ليس شيكًا على بياض. وهو حق مرتبط بضرورة دفع خطر قائم، وبقدر يتناسب مع طبيعة الخطر، وبما يميز بين الأهداف العسكرية والأشخاص الذين لا يشاركون في القتال. وعندما يتحول الرد من إيقاف الخطر إلى معاقبة مجتمع بأكمله، أو الانتقام من سكان لا علاقة لهم بالقرار العسكري، أو تدمير كل ما يمكن تدميره لمجرد أن الخصم استخدم منطقة مدنية أو اختبأ بين السكان، فإننا نكون أمام سؤال آخر تمامًا: هل ما زال هذا دفاعًا أم أصبح انتقامًا؟
وهنا تظهر أهمية مبدأ التناسب والضرورة، ليس باعتبارهما شعارات سياسية، وإنما باعتبارهما حاجزًا أمام تحويل الحرب إلى مساحة بلا حدود. فالهدف من الدفاع هو إزالة الخطر، وليس إنتاج خطر أكبر على المدنيين. والهدف من العمليات العسكرية ليس معاقبة شعب بأكمله بسبب قرار اتخذه طرف مسلح. والاختباء بين المدنيين، إذا حدث، لا يحول المدنيين إلى أهداف مشروعة، كما أن وجود مقاتل بين المدنيين لا يعني أن حياة كل من حوله أصبحت بلا قيمة.
هذه القاعدة يجب أن تكون واحدة على الجميع.
إذا كان من حق إسرائيل أن تدافع عن مواطنيها عندما تتعرض لهجوم، فإن هذا الحق لا يمنحها حقًا مطلقًا في استخدام القوة دون قيود. وإذا كان من حق إيران أن تدافع عن نفسها في مواجهة تهديد خارجي، فإن هذا الحق لا يعفيها من مسؤولية ما قد ترتكبه قواتها أو الجهات التي تدعمها. وإذا كان لحزب الله أو أي جماعة مسلحة مبرراته السياسية أو الأمنية في مواجهة خصومه، فإن تلك المبررات لا تمنحه بدورها حصانة من المساءلة عن استهداف المدنيين أو توسيع دائرة الصراع. وكذلك الأمر بالنسبة إلى أي دولة أو جماعة أخرى.
المعيار الحقيقي للعدالة ليس أن نبحث عن مبررات للطرف الذي نتعاطف معه، ثم نستخدم المعيار نفسه كسلاح ضد الطرف الذي نختلف معه. المعيار الحقيقي هو أن نسأل السؤال نفسه في كل مرة: هل كان الفعل ضروريًا؟ هل كان الهدف عسكريًا؟ هل جرى تجنب المدنيين قدر الإمكان؟ هل كان الرد متناسبًا مع الخطر؟ وهل كان المقصود إيقاف العدوان أم الانتقام منه؟
إذا كانت الإجابة مختلفة لمجرد اختلاف اسم الطرف، فنحن لا ندافع عن مبدأ، وإنما ندافع عن موقف سياسي.
وهذا هو الخطر الأكبر في الحروب الحديثة. فحين يصبح كل طرف مقتنعًا بأن ضحاياه أكثر قيمة من ضحايا خصمه، وأن أخطاءه يمكن تفسيرها بينما أخطاء خصمه لا يمكن التسامح معها، تتحول الحرب من صراع بين أطراف إلى صراع بين روايات، كل رواية ترى نفسها صاحبة الحق الكامل وترى الطرف الآخر مسؤولًا عن كل شيء.
لكن الإنسان المدني لا يختار الحرب في معظم الأحيان، ولا يحدد أهداف الصواريخ، ولا يقرر توقيت الضربات، ولا يملك القدرة على إيقاف الجيش أو الجماعة المسلحة التي تقاتل باسمه أو من أجله. ولذلك فإن تحويل المدنيين إلى امتداد سياسي أو عسكري للطرف الذي يعيشون تحت سلطته هو من أخطر الأخطاء الأخلاقية والقانونية التي يمكن أن تقع فيها الحروب.
قد يبدأ الصراع بعملية عسكرية، وقد يبدأ بصاروخ، وقد يبدأ باغتيال، وقد يبدأ باجتياح أو قصف أو قرار سياسي. لكن كل فعل بعد ذلك يجب أن يخضع للتقييم بصورة مستقلة. لا يمكن أن يصبح تاريخ الصراع كله رخصة لتجاوز قواعد الحرب، ولا يمكن أن تصبح جريمة سابقة مبررًا تلقائيًا لجريمة لاحقة.
فالذي قتل مدنيًا لا يستطيع أن يقول إن قتلي لمدني آخر أصبح مشروعًا لأن الطرف الآخر بدأ. والذي استهدف منشأة مدنية لا يستطيع أن يمنح نفسه الحق في استهداف منشآت مدنية أخرى بحجة الرد. والذي ارتكب انتهاكًا لا يستطيع أن يمحو انتهاكه بالقول إن خصمه ارتكب انتهاكًا سابقًا.
المسؤولية هنا ليست مباراة في جمع الأخطاء. ليست القضية من ارتكب مخالفات أكثر، ولا من بدأ أولًا فقط، وإنما كيف نمنع استمرار دائرة الفعل ورد الفعل إلى ما لا نهاية.
وهنا أيضًا يجب أن نتوقف أمام ازدواجية المعايير التي أفسدت كثيرًا من الخطاب الدولي. فمن الصعب إقناع شعوب العالم بأن القانون واحد للجميع إذا كان استهداف المدنيين يُدان بشدة عندما يفعله طرف، ثم يجري البحث عن التبريرات عندما يفعله طرف آخر. ومن الصعب الحديث عن سيادة الدول بينما يتم التعامل مع سيادة دولة باعتبارها مقدسة، وسيادة دولة أخرى باعتبارها قابلة للتجاوز عندما تتغير المصالح.
لا يمكن أن تكون السيادة مبدأً عندما تخدمنا، ووجهة نظر قابلة للتفاوض عندما تعارضنا. ولا يمكن أن تكون حياة المدنيين مقدسة في مكان، ثم تتحول إلى رقم في مكان آخر.
إن العالم يحتاج إلى معيار واحد، لا لأن جميع الأطراف متساوية في القوة أو المسؤولية أو الظروف، وإنما لأن قيمة الإنسان لا تتحدد بموقعه السياسي. الطفل الذي يموت تحت القصف لا يصبح أقل إنسانية لأنه يعيش في دولة أو منطقة يختلف العالم مع حكومتها. والمدني الذي يقتل بسبب صاروخ لا يصبح أقل استحقاقًا للحياة لأنه ينتمي إلى الطرف الآخر.
وهذا لا يعني مساواة المعتدي بالمعتدى عليه، ولا يعني تجاهل من بدأ الحرب أو من ارتكب الجريمة الأولى. بل يعني شيئًا أكثر دقة: أن نضع لكل فعل مسؤوليته، ولكل قرار حسابه، ولكل طرف حدودًا لا يجوز له تجاوزها.
قد يكون من حق دولة أن ترد على هجوم، وقد يكون من حق شعب أن يدافع عن أرضه، وقد يكون من حق جيش أن يواجه قوة مسلحة تهدده، لكن لا يوجد في هذه الحقوق ما يحول الخطأ إلى صواب، ولا الجريمة إلى دفاع، ولا الانتقام إلى قانون.
والأخطر من ذلك أن قبول فكرة “الرصاصة الأولى تبرر كل ما بعدها” يعني عمليًا أن العالم لن يستطيع أبدًا إيقاف الحرب. لأن كل طرف سيبحث عن رصاصة أقدم من رصاصة خصمه، وكل طرف سيقدم تاريخه الطويل من المظالم باعتباره الدليل على أن أفعاله الحالية مبررة. وهكذا تتحول الحروب إلى سلسلة لا تنتهي من الانتقامات، يبدأ كل طرف فيها من منتصف القصة التي تخدمه، ويتجاهل بدايات القصة التي لا تخدمه.
لذلك، فإن السؤال الأكثر عدلًا ليس فقط: من بدأ؟
بل: ماذا فعل بعد أن بدأ؟ وماذا فعل الطرف الآخر؟ وما الذي كان ضروريًا؟ وما الذي كان يمكن تجنبه؟ ومن دفع الثمن؟ وهل كانت الأهداف عسكرية فعلًا؟ وهل جرى احترام المدنيين؟ وهل كان المقصود حماية الناس، أم معاقبتهم؟
هذه الأسئلة هي التي يمكن أن تعيد للعقل مكانه في زمن تسيطر فيه الانفعالات على الخطاب السياسي.
إن العالم لا يحتاج إلى تبرير جديد للحروب، بل إلى معيار يمنع الحروب من التحول إلى انتقام مفتوح. ولا يحتاج إلى طرف جديد يعلن امتلاكه الحقيقة كاملة، بل إلى قاعدة بسيطة وصعبة في الوقت نفسه: لا أحد فوق المحاسبة، ولا أحد تحت مستوى الحماية الإنسانية.
فالذي أطلق الرصاصة الأولى يتحمل مسؤولية رصاصته، لكن الرصاصة الأولى لا تمنح الطرف الآخر رخصة مفتوحة لإطلاق النار إلى ما لا نهاية. ومن يبدأ العدوان يتحمل مسؤوليته، لكن هذه المسؤولية لا تمحو مسؤولية كل فعل يأتي بعده.
وفي النهاية، فإن العدالة الحقيقية لا تسأل فقط: من بدأ؟
إنها تسأل أيضًا: من فعل ماذا؟ ولماذا؟ وكيف؟ وعلى من وقع الأذى؟ وهل كان يمكن تجنب ذلك؟
وعندما يصبح هذا المعيار واحدًا على إسرائيل وإيران وحزب الله، وعلى كل دولة وجماعة وطرف، نكون قد بدأنا بالفعل في الحديث عن عدالة. أما إذا تغير المعيار بتغير الاسم والمصلحة والتحالف، فلن يكون ما نمارسه عدالة، وإنما انتقائية ترتدي ثوب القانون.
الرد قد يكون حقًا، لكن الانتقام ليس حقًا مفتوحًا. والدفاع عن النفس لا يعني إسقاط حقوق الآخرين. ومن أطلق الرصاصة الأولى يتحمل مسؤولية رصاصته، لكن لا أحد يحصل بسببها على ترخيص مفتوح لارتكاب ما يشاء. هذه ليست قاعدة تخص طرفًا دون آخر، وإنما قاعدة يجب أن تنطبق على الجميع، وإلا فقدت العدالة معناها، وفقد القانون وظيفته، وبقي المدنيون وحدهم يدفعون ثمن حرب لا يملكون قرار بدايتها ولا القدرة على إيقافها.