محمد غزال يكتب: العراق في قلب معادلة التهدئة .. السيادة والحوار طريق الخروج من أزمات المنطقة

بقلم: محمد غزال «مفكر سياسي»
في لحظة إقليمية شديدة التعقيد تتشابك فيها الملفات الأمنية والسياسية والاقتصادية، ويصعب فيها الفصل بين تداعيات الصراعات المباشرة وانعكاساتها على الدول المجاورة، يبرز الموقف العراقي باعتباره محاولة واضحة لإعادة التأكيد على مجموعة من المبادئ التي يرى العراق أنها تمثل مدخلًا أساسيًا لاحتواء الأزمات، وفي مقدمتها احترام سيادة الدول وسلامة أراضيها، ورفض الحرب وتوسيع نطاق الصراعات، والتمسك بالحوار والوسائل السياسية والدبلوماسية باعتبارها الطريق الأكثر واقعية لتجنب مزيد من التدهور.
وفي هذا السياق، ترأس وزير الخارجية العراقي وفد بلاده في أعمال الدورة السادسة والستين بعد المائة لمجلس جامعة الدول العربية، مجددًا جملة من الثوابت التي تحكم الرؤية العراقية تجاه التطورات المتسارعة في المنطقة، وفي مقدمتها ضرورة العمل العربي المشترك من أجل خفض التصعيد، ومنع انتقال الصراعات إلى ساحات جديدة، واحتواء التداعيات الاقتصادية والسياسية التي أصبحت تتجاوز حدود الدول المتنازعة لتطال المنطقة والعالم بأسره.
ولا يمكن قراءة هذا الموقف باعتباره مجرد بيان دبلوماسي تقليدي، إذ يأتي في توقيت بالغ الحساسية، تتزايد فيه المخاطر المرتبطة بالصراع بين طهران وواشنطن، وما يمكن أن ينتج عنه من تداعيات أمنية واقتصادية واستراتيجية تمتد إلى دول الخليج والعراق وشرق المتوسط والبحر الأحمر، فضلًا عن تأثيرها المحتمل في حركة التجارة والطاقة والأسواق العالمية.
السيادة الوطنية .. حجر الأساس في الرؤية العراقية
يضع العراق مبدأ احترام سيادة الدول وسلامة أراضيها في صدارة رؤيته للتعامل مع الأزمات الإقليمية. وهذا المبدأ يحمل أهمية خاصة بالنسبة لبغداد بحكم موقعها الجغرافي والسياسي، إذ تقع الدولة العراقية في منطقة تتقاطع فيها مصالح وقوى إقليمية ودولية متعددة.
ومن ثم، فإن التأكيد العراقي على السيادة لا يمثل موقفًا قانونيًا مجردًا، بل يعكس إدراكًا لطبيعة المخاطر التي يمكن أن تنشأ عندما تتحول أراضي الدول إلى ساحات لتصفية الحسابات بين القوى المتصارعة.
فكلما اتسعت دائرة التدخلات العسكرية، وكلما أصبح استخدام القوة بديلًا عن الحوار، ازدادت احتمالات انتقال الصراع من مواجهة محدودة إلى أزمة إقليمية مفتوحة، وهو السيناريو الذي ستكون تكلفته باهظة على جميع الأطراف، بما فيها الدول التي لا تشارك بصورة مباشرة في الصراع.
ومن هنا تبدو الدعوة العراقية إلى احترام السيادة وسلامة الأراضي محاولة لوضع حدود سياسية وقانونية أمام منطق التصعيد، والتأكيد على أن أمن المنطقة لا يمكن أن يتحقق من خلال فرض الأمر الواقع بالقوة.
الصراع بين طهران وواشنطن .. تداعيات تتجاوز حدود الطرفين
أحد أبرز عناصر الموقف العراقي يتمثل في التحذير من أن الصراع بين طهران وواشنطن لا يظل محصورًا في العلاقة الثنائية بين الطرفين، وإنما يلقي بظلاله على دول المنطقة والاقتصاد العالمي.
وهذه القراءة تنطلق من حقيقة جغرافية وسياسية واضحة؛ فالشرق الأوسط ليس مجموعة من الأزمات المنفصلة، وإنما شبكة مترابطة من المصالح والممرات البحرية وأسواق الطاقة والعلاقات الأمنية والتحالفات السياسية.
وأي تصعيد كبير بين الولايات المتحدة وإيران يمكن أن ينعكس بصورة مباشرة أو غير مباشرة على أمن الخليج، وحركة الملاحة والطاقة، والاستثمارات، وأسواق المال، وسلاسل الإمداد، فضلًا عن إمكانية ارتفاع تكلفة التأمين والنقل والتجارة.
كما أن امتداد الصراع إلى مناطق جديدة قد يفتح الباب أمام قوى وجماعات مسلحة لاستغلال حالة الفوضى وتوسيع نطاق عملياتها، بما يضاعف من صعوبة السيطرة على مسار الأحداث.
ولهذا فإن التحذير العراقي من التداعيات الاقتصادية ليس تفصيلًا ثانويًا، بل يمثل أحد أهم أبعاد الرؤية العراقية؛ لأن استمرار الصراعات المسلحة لا ينتج فقط خسائر بشرية وأمنية، وإنما يخلق أيضًا بيئة اقتصادية مضطربة تؤثر في الدول والمجتمعات والأسواق.
الحوار ليس خيارًا مثاليًا .. بل ضرورة سياسية
في مقابل منطق التصعيد، يطرح العراق الحوار باعتباره أداة عملية لتقليل المخاطر.
والدعوة إلى فتح قنوات للحوار بين الأطراف المعنية تعكس إدراكًا بأن الأزمات الكبرى لا يمكن احتواؤها بمجرد البيانات السياسية أو الإجراءات العسكرية، وإنما تحتاج إلى مسارات اتصال قادرة على منع سوء التقدير، وإدارة الخلافات، وفتح المجال أمام حلول سياسية تدريجية.
ففي الأزمات الدولية، قد تكون المشكلة أحيانًا ليست في غياب الحلول، وإنما في غياب قنوات التواصل التي تسمح للأطراف بفهم حدود مصالح بعضها البعض.
ومن هنا تصبح الدبلوماسية أداة لإدارة الأزمة، وليس فقط وسيلة للتفاوض بعد اندلاعها.
كما أن الحوار لا يعني بالضرورة الاتفاق الكامل بين الأطراف، وإنما يعني خلق مساحة تمنع الانزلاق إلى خيارات أكثر خطورة، وتسمح بتبادل الرسائل، وبحث إجراءات خفض التصعيد، وفتح الطريق أمام تسويات أكثر اتزانًا.
البعد الاقتصادي.. الحرب لا تنتهي عند حدود الميدان
اللافت في الموقف العراقي هو الربط بين التصعيد العسكري والأزمات المالية والاقتصادية.
وهذا الربط يعكس تحولًا مهمًا في فهم تداعيات الحروب الحديثة؛ إذ لم تعد آثار النزاعات مقتصرة على الجبهات العسكرية، بل أصبحت الأسواق والطاقة والتجارة والنقل وسلاسل الإمداد جزءًا من البيئة المتأثرة بالصراع.
وقد يؤدي اتساع دائرة المواجهة إلى ارتفاع تكاليف الطاقة والشحن والتأمين، واضطراب حركة التجارة، وتراجع شهية المستثمرين، وزيادة الضغوط على الاقتصادات الهشة.
والدول العربية، بحكم اعتماد اقتصادات عديدة منها على التجارة الخارجية والطاقة والممرات البحرية والاستثمار، ليست بمنأى عن هذه التداعيات.
لذلك فإن خفض التصعيد لا يمثل مطلبًا أمنيًا فحسب، وإنما أصبح ضرورة اقتصادية أيضًا.
القضية الفلسطينية.. ثابت لا يتغير في الموقف العراقي
وفي موازاة موقفه من الأزمات الإقليمية، أكد وزير الخارجية العراقي ثبات موقف بلاده من القضية الفلسطينية، ودعم الشعب الفلسطيني وحقه في تقرير مصيره.
ويعكس هذا الجانب استمرار حضور القضية الفلسطينية في صلب الموقف العربي، رغم تعدد الأزمات والصراعات التي تشهدها المنطقة.
فمن منظور العراق، لا يمكن التعامل مع الأمن الإقليمي باعتباره ملفًا منفصلًا عن القضية الفلسطينية، خصوصًا أن استمرار الصراع الفلسطيني الإسرائيلي يمثل أحد مصادر عدم الاستقرار المزمنة في الشرق الأوسط.
ومن ثم، فإن الحديث عن منظومة أمن إقليمي مستدامة يتطلب معالجة جذور الأزمات، وليس فقط التعامل مع نتائجها.
العراق ورئاسة القمة العربية .. اختبار للدبلوماسية الجماعية
يحظى الموقف العراقي بدلالة إضافية في ضوء حرص بغداد، بصفتها رئيسة للدورة الحالية للقمة العربية، على تعزيز التضامن والتوافق العربي وتوحيد المواقف تجاه التحديات التي تواجه المنطقة.
وهنا تنتقل المسؤولية من التعبير عن موقف وطني إلى محاولة بناء مساحة مشتركة بين الدول العربية.
وهذه المهمة ليست سهلة، في ظل اختلاف المصالح والتقديرات الوطنية بين العواصم العربية، وتباين مواقفها تجاه القوى الإقليمية والدولية.
لكن أهمية الدور العراقي تكمن في قدرته على الدفع نحو صياغة حد أدنى من التوافق العربي حول المبادئ الأساسية: احترام سيادة الدول، رفض توسيع نطاق الحروب، حماية الأمن العربي، دعم القضية الفلسطينية، والتمسك بالحلول السياسية والدبلوماسية.
ولا يعني توحيد الموقف العربي بالضرورة تطابق مواقف جميع الدول في كل التفاصيل، وإنما يمكن أن يبدأ من الاتفاق على قواعد عامة تمنع الانزلاق نحو مزيد من الفوضى.
بغداد تحاول استعادة الدور الدبلوماسي
يعكس هذا الخطاب أيضًا رغبة عراقية في تعزيز الدور الدبلوماسي لبغداد في محيطها العربي والإقليمي.
فالعراق، بحكم موقعه بين الخليج وإيران وبلاد الشام، يمتلك أهمية جيوسياسية كبيرة، كما أن علاقاته المتشابكة مع مختلف الأطراف تمنحه هامشًا يمكن توظيفه في دعم مسارات الحوار.
وفي السنوات الأخيرة، أصبح العراق أكثر اهتمامًا بإبراز نفسه كطرف يسعى إلى بناء الجسور بدلًا من أن يكون مجرد ساحة للتنافس الإقليمي.
وهذا التوجه ينسجم مع المصالح العراقية نفسها؛ فاستقرار المنطقة يعني استقرار البيئة الأمنية والاقتصادية والسياسية المحيطة بالعراق.
وبالتالي فإن الدفع باتجاه الحوار وخفض التصعيد ليس فقط موقفًا أخلاقيًا أو دبلوماسيًا، وإنما يتصل مباشرة بالأمن القومي العراقي.
بين منطق القوة ومنطق التسوية
المشهد الإقليمي يقف اليوم أمام مسارين متناقضين.
المسار الأول يقوم على توسيع نطاق المواجهة، وتبادل الضربات، وتصعيد الخطاب السياسي، وتحويل مناطق جديدة إلى ساحات للصراع.
أما المسار الثاني فيقوم على احتواء التصعيد، والحفاظ على قنوات الاتصال، وتفعيل الوساطة، وإعادة الاعتبار إلى الحلول السياسية.
الموقف العراقي ينحاز بوضوح إلى المسار الثاني.
وهذا لا يعني تجاهل التعقيدات الأمنية أو الخلافات السياسية العميقة، لكنه يعني رفض اعتبار الحرب الطريق الوحيد لحسمها.
فالتجارب الإقليمية والدولية أثبتت أن الحروب قد تبدأ بهدف تحقيق مكاسب محدودة، لكنها سرعان ما تنتج ديناميكيات يصعب التحكم فيها، وقد تؤدي إلى نتائج تختلف تمامًا عن حسابات الأطراف التي أشعلتها.
الحاجة إلى موقف عربي أكثر فاعلية
من هنا تبرز أهمية تحويل الدعوات العربية إلى الحوار وخفض التصعيد من مجرد مواقف سياسية إلى أدوات عملية.
فالمنطقة تحتاج إلى آليات دبلوماسية مستمرة، وقنوات اتصال مفتوحة، وتنسيق عربي قادر على التحرك في الأزمات قبل وصولها إلى مرحلة الانفجار.
كما تحتاج الدول العربية إلى صياغة رؤية مشتركة للأمن الإقليمي، تقوم على احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها، ورفض استهداف المدنيين والمنشآت الحيوية، وحماية طرق التجارة والملاحة، ودعم الحلول السياسية للنزاعات.
والأهم أن يكون للعرب حضور فاعل في أي ترتيبات إقليمية جديدة، بدل أن تظل المنطقة مجرد ساحة تتنافس فيها القوى الكبرى والإقليمية على النفوذ.
العراق أمام فرصة لتعزيز دوره
يمثل الدور العراقي الحالي فرصة لبغداد كي تعزز موقعها كطرف عربي قادر على التواصل مع مختلف القوى.
لكن نجاح هذا الدور يتطلب قدرًا كبيرًا من التوازن والواقعية، فضلًا عن القدرة على بناء توافقات عربية واسعة.
كما يتطلب أن تتحول الدبلوماسية العراقية من مجرد التعبير عن القلق من الأزمات إلى طرح مبادرات محددة وقابلة للتنفيذ، سواء في مجال خفض التصعيد أو الوساطة أو دعم الحوار بين الأطراف المتخاصمة.
وإذا نجح العراق في استثمار رئاسته للدورة الحالية للقمة العربية بهذا الاتجاه، فقد يتحول دوره من مجرد رئاسة إجرائية إلى دور سياسي أكثر تأثيرًا في إدارة الأزمات الإقليمية.
_الخلاصة .. حماية المنطقة تبدأ بمنع اتساع الحرب_
في المحصلة، يعكس الموقف العراقي رؤية تقوم على قاعدة بسيطة لكنها شديدة الأهمية: لا يمكن بناء أمن إقليمي مستدام فوق أنقاض سيادة الدول، ولا يمكن تحقيق الاستقرار من خلال توسيع دائرة الحروب.
وتأتي الدعوة إلى احترام السيادة وسلامة الأراضي، ورفض الحرب، وفتح قنوات الحوار، والتمسك بالحلول السياسية والدبلوماسية، في وقت تحتاج فيه المنطقة أكثر من أي وقت مضى إلى آليات تمنع انتقال الأزمات من دولة إلى أخرى.
كما أن ربط العراق بين التصعيد السياسي والأمن الاقتصادي يؤكد أن الحرب لم تعد شأنًا عسكريًا محدودًا، وإنما أصبحت قضية تمس حياة الشعوب واقتصادات الدول وحركة التجارة والطاقة والاستثمار.
وفي ظل استمرار التوترات الإقليمية، تبدو الحاجة ملحة إلى استعادة الدور الحقيقي للدبلوماسية العربية، ليس باعتبارها وسيلة لإصدار البيانات، وإنما باعتبارها أداة لإدارة الأزمات ومنع الحروب وبناء التسويات.
ومن هذه الزاوية، فإن الموقف العراقي لا يعبر فقط عن حسابات بغداد الخاصة، بل يطرح أمام النظام العربي بأكمله سؤالًا جوهريًا: هل تظل المنطقة رهينة منطق التصعيد وتبادل الرسائل بالقوة، أم تستطيع الدول العربية بناء مساحة سياسية مشتركة تجعل الحوار وخفض التوتر مدخلًا لحماية أمنها ومصالح شعوبها؟
الإجابة عن هذا السؤال ستحدد، إلى حد بعيد، شكل المرحلة المقبلة في الشرق الأوسط، ومدى قدرة الدول العربية على الانتقال من موقع المتأثر بالأزمات إلى موقع الشريك الفاعل في صناعة الحلول.