حين تتقاطع نار غزة مع حسابات واشنطن ودمياط وطاولة الشطرنج الكبرى

بقلم : خالد رويحة 

حين تتقاطع نار غزة مع حسابات واشنطن ودمياط وطاولة الشطرنج الكبرى

تخيلوا لحظة يقف فيها العالم كله على حافة الهاوية، لحظة تتداخل فيها أصوات القصف مع همسات غرف القرار، لحظة لا تعرف فيها المنطقة هل تستعد لانفجار جديد أم لاتفاق يوقف نزيفاً امتد طويلاً.

من غزة التي تنزف تحت القصف، إلى واشنطن التي تحسب خطواتها على إيقاع الانتخابات والحسابات الداخلية، إلى طهران التي تدير معركتها السياسية والعسكرية بأعصاب باردة، وصولاً إلى كل نقطة ساخنة في الشرق الأوسط، نحن أمام مرحلة لا تشبه ما سبقها.

ليست مجرد حرب صواريخ ومسيرات، بل صراع إرادات، كل طرف يحاول أن يكتب السطر الأخير قبل أن يكتب خصمه نهايته.

غزة بين نار الحرب ولعبة الشروط

منذ الإعلان عن وجود مسار تفاوضي لوقف الحرب في غزة، عاد السؤال الكبير: من يريد الاتفاق فعلاً؟ ومن يريد استخدام المفاوضات كأداة لإطالة الوقت؟

القصف لم يتوقف، والدم الفلسطيني ما زال يدفع ثمن التجاذبات السياسية، بينما يحاول رئيس حكومة الاحتلال استخدام كل ورقة ممكنة للحفاظ على موقعه السياسي.

ففي الحروب، غالباً ما تكون اللحظات الأخيرة قبل الاتفاق هي الأكثر خطورة، لأن الطرف الذي يشعر بأنه خسر أوراقه يحاول تحسين موقعه بالنار قبل الجلوس إلى الطاولة.

وهنا يظهر التعقيد الحقيقي، فالمشكلة لم تعد فقط في بنود الاتفاق، بل في نوايا الأطراف التي ستنفذه.

خطة غزة الجديدة وأسئلة ما بعد الحرب

وسط هذا التعقيد ظهرت خطط تتحدث عن مستقبل غزة بعد الحرب، ومن بين الأسماء التي ارتبطت بهذه الطروحات محمد دحلان وتوني بلير.

مجرد ظهور أسماء مرتبطة بمراحل سياسية سابقة يفتح باباً واسعاً للنقاش حول شكل الإدارة القادمة، وحول ما إذا كانت غزة ستدخل مرحلة إعادة ترتيب سياسي أم ستبقى ساحة صراع مفتوحة.

الخطط التي تتحدث عن نزع السلاح، ومحاربة التطرف، وربط ذلك بأفق سياسي للفلسطينيين، تصطدم بسؤال جوهري: كيف يمكن الحديث عن دولة فلسطينية بينما ما زالت موازين القوى على الأرض تسير في اتجاه معاكس؟

المعركة هنا ليست فقط على الأرض، بل على تعريف اليوم التالي للحرب، ومن يملك حق رسم مستقبل غزة.

دمياط واللحظة التي كادت تتحول إلى كارثة

في مكان آخر، وعلى ساحل البحر المتوسط، ظهر ملف آخر أثار أسئلة كبيرة: حادثة استهداف سفينة غاز في ميناء دمياط.

بعيداً عن تفاصيل التحقيقات الرسمية التي تحدد المسؤوليات، فإن طبيعة الموقع وحساسية المنشآت جعلت الحادثة تفتح باباً واسعاً للنقاش حول أمن الموانئ والمنشآت الحيوية في عصر الطائرات المسيرة.

ميناء يحتوي على سفن غاز ومنشآت طاقة ليس مجرد موقع اقتصادي، بل شريان استراتيجي، وأي استهداف له يحمل أبعاداً تتجاوز الخسارة المادية.

فالحروب الحديثة لم تعد تعتمد فقط على الجيوش الكبيرة، بل أصبحت تعتمد على أدوات صغيرة قادرة على إحداث تأثيرات كبيرة إذا وصلت إلى المكان الخطأ في التوقيت الخطأ.

والدرس الأهم هنا أن العالم كله، مهما بلغت قوته العسكرية، لا توجد لديه منظومة دفاع قادرة على ضمان منع كل تهديد بنسبة مئة بالمئة.

المسيرات غيرت قواعد اللعبة

من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، أثبتت الطائرات المسيرة أنها أصبحت إحدى أهم أدوات الصراع الحديث.

الدول الكبرى نفسها تعرضت لاختراقات، ليس لأن دفاعاتها ضعيفة، بل لأن الحرب الحديثة أصبحت تقوم على اختبار دائم بين الهجوم والدفاع.

السؤال لم يعد: هل يمكن اختراق أي منظومة؟

السؤال الحقيقي أصبح: كيف تقلل الدول من فرص الاختراق؟ وكيف تتعامل مع الثغرات عندما تظهر؟

فالانتصار في العصر الجديد لا يقاس فقط بمنع كل ضربة، بل بسرعة الاحتواء، وحجم الخسائر، والقدرة على الاستمرار.

واشنطن بين لغة القوة وحسابات السياسة

أما الولايات المتحدة فتعيش مرحلة معقدة، حيث تتداخل القرارات العسكرية مع الحسابات السياسية الداخلية.

التصعيد ضد إيران، والعودة إلى طاولة التفاوض، والتصريحات المتغيرة، كلها تعكس صعوبة الجمع بين الضغط الخارجي ومتطلبات الداخل الأمريكي.

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حاول أكثر من مرة استخدام سياسة الضغط الأقصى، لكن الواقع الإقليمي أثبت أن المنطقة ليست رقعة شطرنج يمكن تحريك قطعها بسهولة.

إيران من جهتها لا تنظر فقط إلى الجانب العسكري، بل تقرأ أيضاً الانقسامات السياسية داخل الولايات المتحدة، وتعرف أن أي قرار عسكري كبير ستكون له تكلفة سياسية على من يتخذه.

في عالم اليوم، لم تعد الحرب منفصلة عن الانتخابات، ولا الصاروخ منفصلاً عن حسابات الرأي العام.

اللوبيات والانقسام داخل أمريكا

داخل الولايات المتحدة نفسها، ظهرت خلافات حادة حول السياسة الخارجية، وحول طبيعة العلاقة مع إسرائيل، وحول جدوى التورط في حروب جديدة.

https://whatsapp.com/channel/0029Vb0aotRBlHpllzgDpB2U

هذا الانقسام يعكس تغيراً في المزاج السياسي الأمريكي، خصوصاً بعد الحرب على غزة، حيث أصبحت ملفات كانت تعتبر من المحرمات سابقاً محل نقاش علني.

لكن السياسة الأمريكية تبقى معقدة، فبين ضغط الجماعات المؤثرة، وحسابات الأحزاب، ومصالح المؤسسات، تتحرك القرارات في مساحة مليئة بالتناقضات.

طهران وقراءة لحظة الخصم

إيران لا تقرأ الأحداث بمنطق القوة فقط، بل بمنطق التوقيت.

في الصراعات الكبرى، أحياناً تكون اللحظة أهم من السلاح، لأن اختيار التوقيت المناسب قد يغير معادلة كاملة.

ولهذا فإن أي تصعيد مقبل لن يكون مجرد مواجهة عسكرية، بل سيكون اختباراً لقدرة كل طرف على تحمل النتائج السياسية والاقتصادية والأمنية.

فالقرار العسكري اليوم لا يصنعه القادة وحدهم، بل تصنعه أيضاً الأسواق، والانتخابات، والانقسامات الداخلية، وردود الفعل الشعبية.

الخلاصة

ما يحدث في المنطقة ليس سلسلة أحداث منفصلة.

غزة ليست ملفاً منفرداً، ودمياط ليست حادثة بعيدة عن سياق التحولات الكبرى، وواشنطن وطهران لا تتحركان في فراغ.

نحن أمام مرحلة يعاد فيها تشكيل توازنات المنطقة، حيث تصبح المعلومة سلاحاً، والاقتصاد جبهة، والسياسة امتداداً للحرب.

وفي لحظات التاريخ الكبرى، لا ينتصر دائماً من يملك القوة الأكبر، بل من يعرف كيف يقرأ اللحظة، ويفهم نقاط ضعف خصمه، ويختار التوقيت الذي يغير قواعد اللعبة.

✍🏻 خالد رويحة 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى