الشرق الأوسط بين التهدئة الحذرة وإعادة رسم قواعد الاشتباك

بقلم : د. ليون سيوفي
باحث وكاتب سياسي
لم يكن الحدث الأبرز في الساعات الأخيرة صاروخاً أُطلق، بل صاروخاً لم يُطلق. ففي لحظة كانت المنطقة تترقب فيها ضربة أمريكية ضد إيران، جاء إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالتراجع عن تنفيذها، فاتحاً الباب أمام سؤال أكبر من الحرب نفسها: هل بدأ الشرق الأوسط يدخل مرحلة التسويات، أم أن الجميع يلتقط أنفاسه قبل مواجهة أكثر خطورة؟
القرار الأمريكي لا يعني أن شبح الحرب قد تراجع نهائياً، بل إن واشنطن اختارت، في هذه المرحلة، استبدال القوة العسكرية بالقوة السياسية. فترامب، المعروف برفع سقف التهديد ثم استخدامه كورقة تفاوض، لم يسحب الخيار العسكري من الطاولة، وإنما جمّده مؤقتاً بانتظار ما قد تسفر عنه الاتصالات السياسية.
وفي المقابل، لن تفوّت طهران فرصة استثمار هذا التطور. فهي ستعتبر أن تراجع واشنطن دليل على نجاح سياسة الردع، وأن كلفة المواجهة المباشرة دفعت الإدارة الأمريكية إلى إعادة حساباتها. وبين الروايتين، تحاول كل من الولايات المتحدة وإيران إقناع العالم بأنها خرجت أكثر قوة، بينما الحقيقة أن الطرفين يدركان أن أي حرب مفتوحة قد تتجاوز قدرتهما على التحكم بمسارها ونتائجها.
أما لبنان، فلا يقف خارج هذا المشهد. فالملفات الداخلية، وفي مقدمتها قضية حصر السلاح بيد الدولة، أصبحت جزءاً من التوازنات الإقليمية الجديدة. وكل تقدم في مسار التفاهمات بين القوى الكبرى سينعكس حكماً على الداخل اللبناني، سواء عبر ضغوط سياسية أو تسويات جديدة قد تعيد رسم المشهد الداخلي.
وفي الجانب الإسرائيلي، يسود حذر واضح. فتجميد الضربة الأمريكية لا يُفسَّر على أنه انتهاء للخطر الإيراني، بل مجرد تغيير في أسلوب التعامل معه. لذلك تواصل إسرائيل رفع مستوى جهوزيتها العسكرية، بالتوازي مع متابعة دقيقة لكل ما يدور خلف أبواب المفاوضات المغلقة.
ورغم كثرة التصريحات النارية، فإن ما يُحسم اليوم لا يُقال أمام الكاميرات. فالمفاوضات الحقيقية تجري بصمت، بينما تُستخدم الرسائل العسكرية لتحسين شروط التفاوض، لا لإشعال حرب شاملة. ولهذا، فإن الهدوء الذي تعيشه المنطقة لا ينبغي أن يُفهم على أنه استقرار دائم، بل هو هدوء يحمل في داخله احتمالات التصعيد كما يحمل فرص التسوية.
لقد دخل الشرق الأوسط مرحلة جديدة؛ مرحلة لا تُقاس فيها القوة بعدد الطائرات التي تقلع أو الصواريخ التي تُطلق، بل بقدرة كل طرف على فرض شروطه من دون أن يضطر إلى خوض الحرب. ومن هنا، قد يكون أخطر ما تشهده المنطقة اليوم ليس ما يحدث أمام الجميع، بل ما يُطبخ بصمت في الكواليس، حيث تُعاد صياغة موازين القوى ورسم قواعد الاشتباك التي قد تحكم الشرق الأوسط لسنوات قادمة…