من يملك حق الرد؟

أتمنى أن تقرأ هذا النص حتى النهاية، ثم تعطيني جوابًا صريحًا: هل من يطلق الرصاصة الأولى يمنح خصمه حق إطلاق ما يشاء بعدها؟

بقلم : د. ليون سيوفي
باحث وكاتب سياسي

يلوم البعض من اللبنانيين حزب الله لأنه، برأيهم، هو من بدأ الحرب مع إسرائيل، ويعتبرون أن ما أصاب لبنان من دمار وتهجير وخسائر هو النتيجة الطبيعية لقرار فتح المواجهة.
حسنًا… لنقبل جدلًا بهذه القاعدة، ولنضع كل المواقف السياسية جانبًا، ونسأل سؤالًا لا يحتمل المواربة:
هل من يطلق الرصاصة الأولى يمنح خصمه حق إطلاق ما يشاء بعدها؟
إذا أطلقتَ رصاصة، فردّ خصمك بعشر رصاصات، ثم هدم منزلك، وقتل من فيه، وأحرق الحي بأكمله، فهل يصبح كل ذلك مشروعًا لأنك كنت أول من أطلق النار؟
وإذا كان الجواب نعم، فماذا بقي من مفهوم التناسب؟ وماذا بقي من مسؤولية الطرف الذي ردّ؟ ومتى تحديدًا ينتهي «الرد» ويبدأ «الانتقام»؟
هنا تبدأ المشكلة الحقيقية.
لأن بعض اللبنانيين لا يستخدمون المعيار نفسه عندما تتغير أسماء الأطراف.
في لبنان، نسمع «هم بدأوا الحرب، فليتحملوا النتائج».
لكن عندما تنتقل القضية إلى إيران، تتغير المعادلة.
تتعرض إيران لهجوم، ترد عليه، فيصبح الرد الإيراني هو «التصعيد»، ويصبح الطرف الذي تعرض للهجوم وكأنه هو المشكلة.
لكن لحظة واحدة… أليس من حق من تعرّض للهجوم أن يرد؟
وإذا كان الرد هو المشكلة لأنه يؤدي إلى التصعيد، فلماذا لا تبدأ الإدانة بمن بدأ الهجوم؟
هنا لا أدافع عن إيران، ولا عن حزب الله، ولا أبرئ أحدًا من أخطائه أنا أدافع عن شيء أبسط بكثير…عن عن وضوح المبدأ.
يمكنك أن تكون ضد حزب الله، وأن ترفض سلاحه، وأن ترفض قراره بالحرب، وأن تطالب بأن تكون الدولة اللبنانية وحدها صاحبة قرار الحرب والسلم.
كل ذلك حق سياسي مشروع.
لكن لا يمكنك أن تطالب بالسيادة في لبنان، ثم تستخدم معيارًا مختلفًا عندما يتعلق الأمر بإسرائيل أو إيران أو الولايات المتحدة.
ولا يمكنك أن تقول «من بدأ يتحمل كل شيء»
ثم تغضب عندما تستخدم دولة أخرى المنطق نفسه لتبرير أفعالها.
السيادة ليست مبدأ لبنانيًا عندما نريد مهاجمة خصمنا، وليست مبدأً دوليًا عندما يكون المعتدي أقوى منا.
السيادة إما أن تكون مبدأً لا يتجزأ، أو أنها ليست سوى شعار سياسي.
والأمر نفسه ينطبق على حق الرد…فالرد ليس صك براءة.
حتى لو بدأ طرف الحرب، فهذا لا يعني أن الطرف الآخر حصل على تفويض مفتوح ليفعل ما يشاء.
قد يكون قرار بدء الحرب خطأ.
وقد يكون الرد عليها خطأ.
وقد يكون حجم الرد جريمة مستقلة.
وقد يرتكب الطرفان أخطاء وجرائم تستوجب المحاسبة.
المسؤوليات لا تمحو بعضها.
وهذه هي النقطة التي يحاول البعض الهروب منها.
فأن تقول «هم بدأوا» لا يعني أنك أجبت عن السؤال الأهم:
ماذا فعلتَ أنت بعد أن بدأت الحرب؟
هل كان ردك متناسبًا؟
هل استهدفت من يجب استهدافه؟
هل حميت المدنيين؟
هل توقفت عندما انتهى الهدف العسكري؟
أم أن «حق الرد» أصبح ذريعة مفتوحة لإعادة تشكيل الأرض، وتدمير المدن، وتهجير الناس، وقتل من لا علاقة له بالقرار؟
لأننا إذا قبلنا بمنطق: «أنت بدأت، إذًا كل شيء مباح»
فنحن عمليًا نلغي كل القواعد التي يفترض أن تحكم الحروب.
وعندها يستطيع كل طرف أن يغسل يديه من أي جريمة بجملة واحدة:«هم بدأوا».
وهنا أطرح سؤالًا ربما لا يعجب البعض..هل نحن فعلًا نبحث عن الحقيقة، أم أننا نبحث عن رواية تجعل الفريق الذي اخترناه بريئًا؟
لأن الحقيقة لا تحتاج إلى طائفة.
ولا تحتاج إلى حزب.
ولا تحتاج إلى محور.
ولا تحتاج إلى علم دولة كي تصبح حقيقة.
الحقيقة ببساطة هي أن عليك أن تدين الخطأ عندما يصدر عن خصمك، وأن تدينه عندما يصدر عن حليفك أيضًا.
وإذا كنت لا تستطيع فعل ذلك، فلا تحدثني عن العدالة.
وإذا كنت لا تستطيع تطبيق المعيار نفسه على إسرائيل وإيران وحزب الله والولايات المتحدة، فلا تحدثني عن السيادة.
وإذا كنت تعتبر المدنيين أبرياء عندما يسقطون على يد طرف تكرهه، ثم يصبحون «ثمنًا طبيعيًا للحرب» عندما يسقطون على يد طرف تؤيده، فلا تحدثني عن الإنسانية.
وهنا يصبح السؤال أخطر من «من بدأ الحرب؟».
من يملك حق الرد؟
ومن يحدد حدوده؟
ومن يحاسب من يتجاوزه؟
وهل يصبح المعتدي بريئًا لأنه ردّ؟
وهل يصبح من بدأ الحرب مسؤولًا عن كل جريمة تُرتكب بحقه إلى ما لا نهاية؟
أم أن لكل فعل مسؤوليته، ولكل جريمة حسابها، ولكل رد حدودًا؟
ربما آن الأوان أن نتوقف عن النظر إلى الحروب بعين الفريق.
فالعين التي ترى الرصاصة الأولى فقط، وتغمض عندما تبدأ الرصاصات الأخرى، ليست عينًا تبحث عن العدالة.
إنها عين اختارت مسبقًا ما تريد أن ترى.
والأصعب من ذلك كله أن بعض من يرفع شعار «سيادة الدولة» لا يريد في الحقيقة دولة ذات سيادة…
بل يريد دولة ذات سيادة عندما يكون خصمه هو من يمسك بالسلاح.
أما عندما يكون السلاح في يد من يؤيده، يصبح السؤال فجأة أكثر تعقيدًا.
وهنا أترك القارئ أمام السؤال الذي لا أريد أن أجيب عنه نيابةً عنه..
إذا كان حق الرد يتغير بحسب اسم من تعرّض للهجوم، وإذا كانت السيادة تتغير بحسب اسم من يحمل السلاح، وإذا كانت العدالة تتغير بحسب موقع الضحية من خريطتنا السياسية…
فهل نحن فعلًا نبحث عن الحق؟
أم أننا فقط نبحث عن طريقة أنيقة لنقول «أنا مع فريقي… مهما فعل.»
لأن أخطر ما يمكن أن يحدث للبنان ليس أن يختلف أبناؤه على الحرب.
بل أن يتفقوا على الكيل بمكيالين، ثم يسمّوا ذلك سيادةً وعدالة

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى