الشرق الأوسط: احتجاجات الوقود تكشف عن المخاطر الاقتصادية التي تهدد التحول الهش في سوريا

ترجمة واعداد : هالة أبو سليم – غزة

تواجه سوريا موجة واسعة من الاحتجاجات الشعبية بسبب ارتفاع أسعار الوقود، في اختبار هو الأخطر حتى الآن للحكومة الانتقالية في دمشق.

وأظهرت مقاطع فيديو متداولة إغلاق المتظاهرين للطرق الرئيسية وحرق الإطارات والحطام في الشوارع تعبيراً عن الغضب. وذكرت وكالة رويترز أن “الحكومة السورية رفعت يوم السبت أسعار الديزل بنسبة 40% لتصل إلى 1.75 جنيه سوري (1.32 دولار) للتر”، وهو سعر باهظ بالنسبة للسوريين الذين يحاولون التعافي من سنوات الحرب وإعادة بناء حياتهم.

الاحتجاجات لم تقتصر على العاصمة، بل امتدت لتشمل معظم أنحاء البلاد، من حلب في الشمال إلى درعا في الجنوب، مروراً بدير الزور على نهر الفرات والحسكة في الشمال الشرقي. ومن ثم، فهو يشكل اختباراً كبيراً لقدرة دمشق على إدارة الأزمات.

وتأتي هذه الاحتجاجات في توقيت بالغ الحساسية، بينما تواصل سوريا محاولاتها لإعادة البناء وجذب الاستثمارات الأجنبية. ويتزامن ذلك أيضاً مع مقتل جندي كردي واحتجاجات شهدتها مدينة كوباني، قُتل فيها تسعة أشخاص داخل سجن محلي. وعلى هذا النحو، تواجه سوريا العديد من الاختبارات المتزامنة في وقت واحد.

الصراع مع إيران يفجر أزمة طاقة إقليمية

لا يمكن فصل أزمة الوقود في سوريا عن أزمة أسعار الطاقة الأوسع التي سببها الصراع الدائر مع إيران. فالصراع الإيراني يهز سوريا في وقت لا تستطيع فيه دمشق تحمل أي هزة إضافية.

ورغم ذلك، تحركت شركات الطاقة العالمية للاستثمار في سوريا، كما يقوم العراق بتصدير النفط عبر الأراضي السورية، في محاولة لإبقاء السوق متماسكاً.

وفي تطور لافت، زار وفد تجاري أمريكي كبير دمشق في 14 سبتمبر/أيلول، في وقت تسعى فيه الولايات المتحدة وسوريا إلى توسيع العلاقات الاقتصادية. ويضم الوفد ممثلين عن 50 شركة وأكثر من 80 مشاركاً، بحسب وكالة سانا الرسمية.

وقال نائب مساعد وزير الخارجية الأمريكي جيك ماكجي إنه يتم تشجيع الشركات الأمريكية على الاستثمار في سوريا. وقال بحسب سانا: “نحن نشجع الشركات الأمريكية على الاستثمار في السوق السورية التي توفر فرصاً كبيرة”. وأشار إلى أن شركات مثل شيفرون، وإتش كيه إن، وفيزا، وماستركارد اتخذت بالفعل خطوات لدخول السوق السورية أو توصلت إلى اتفاقيات مع نظيراتها السورية.

سوريا بعد الأسد.. تحول هش

لقد شهدت سوريا تغيرات جذرية منذ سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024، بعد فرار الأسد من البلاد إثر هجوم سريع قادته هيئة تحرير الشام (HTS) استولى على حلب ثم دمشق، منهياً أكثر من خمسة عقود من حكم عائلة الأسد.

هيئة تحرير الشام، التي انبثقت من جماعات مرتبطة بتنظيم القاعدة لكنها انفصلت عنها منذ سنوات، وكانت قد سيطرت في السابق على إدلب، أصبح زعيمها أحمد الشرع هو الرئيس الانتقالي لسوريا، وسعى إلى تحويل حركة التمرد السابقة إلى نواة حكومة سورية جديدة.

وبدأت سوريا أيضاً عملية انتقال سياسي، حيث أُجريت الانتخابات البرلمانية في أكتوبر/تشرين الأول 2025، وهي الأولى منذ سقوط الأسد. وتم اختيار ثلثي أعضاء مجلس الشعب البالغ عددهم 210 أعضاء من خلال الهيئات الانتخابية، في حين مُنحت للشرع سلطة تعيين الثلث المتبقي. وتم تأجيل التصويت في مناطق خارجة عن سيطرة دمشق، بما في ذلك أجزاء من شمال شرق سوريا والسويداء.

ويبقى التحدي الرئيسي هو توحيد سوريا بعد سنوات من الحرب. وسعت دمشق إلى دمج الجماعات المسلحة في المؤسسات الوطنية الجديدة، بما في ذلك قوات سوريا الديمقراطية المدعومة من الولايات المتحدة، والتي وقعت اتفاقاً مع الشرع في مارس/آذار 2025 لدمج مؤسساتها العسكرية والمدنية في الدولة السورية. واستمرت العملية حتى عام 2026، مما قد يعيد جزءاً كبيراً من شرق سوريا إلى سلطة دمشق.

لكن احتجاجات الوقود اليوم تذكر الجميع بأن التحول السياسي وحده لا يكفي، إذا لم يرافقه استقرار اقتصادي يحمي المواطن من صدمات أسعار الطاقة العالمية.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى