اين انت يا أعلام الهجاصين وملوك النفاق ؟؟! . أبطال النار.. لماذا لا يعرف المصريون أسماءهم

حتى أنت يا بروتس؟.. إنت فين يا بتاع المونوريل؟
هناك لحظات تكشف لنا، دون رتوش، من هم أبطالنا الحقيقيون، ومن هم الذين صنعتهم الكاميرات.
في حادث ميناء دمياط، كان هناك رجال لم ينتظروا أن تأتيهم الأضواء، ولم يبحثوا عن شهرة أو «ترند»، ولم يسألوا أحدًا: ماذا سنحصل عليه مقابل ما سنفعله؟
كانت أمامهم نيران حقيقية وخطر حقيقي، فاختاروا أن يدخلوا إليه بأجسادهم، وأن يضعوا أرواحهم في مواجهة الخطر من أجل حماية الميناء ومنع كارثة كان يمكن أن تكون عواقبها أكبر بكثير.
هؤلاء هم الأبطال الذين يستحقون أن يعرفهم المصريون.
لكن، ويا للمفارقة، بينما تتسابق بعض الشاشات خلف كل صاحب «هشك بشك»، وكل بت ممرقعة، وكل واحد من بتوع الجعاعير، بحثًا عن حلقة ترفع نسب المشاهدة، تمر بطولات حقيقية أمام أعيننا وكأنها خبر عابر.
حتى أنت يا بروتس؟!
إنت فين يا بتاع المونوريل؟
فينك من هؤلاء الرجال؟
أين البرامج التي تتسابق لاستضافتهم؟ أين الكاميرات التي تذهب إليهم؟ أين الحوارات التي تحكي للمصريين كيف واجه هؤلاء النار، وماذا فعلوا في اللحظات التي كان يمكن أن يدفعوا فيها حياتهم ثمنًا لإنقاذ بلدهم؟
نحن لا نحتاج إلى صناعة أبطال من الوهم، لأن مصر لديها أبطال حقيقيون بالفعل.
المشكلة أننا أحيانًا لا نعرف كيف نراهم.
وهنا تبدأ الحكاية
أبطال النار.. لماذا لا يعرف المصريون أسماءهم؟
لو كانوا عيال «سيس»، أو بت ممرقعة، أو واحدًا من أصحاب «الهشك بشك» والجعاعير، لوجدنا الكاميرات تلاحقهم، والبرامج تتسابق لاستضافتهم، والمذيعين يتفننون في طرح الأسئلة عليهم، وربما أصبحوا خلال ساعات «نجومًا» على شاشاتنا.
لكنهم ليسوا هؤلاء.
إنهم رجال من نوع آخر… رجال وقفوا في مواجهة النيران، واقتحموا الخطر، ولم يفكروا في أنفسهم عندما أصبح الخطر يهدد الميناء.
رجال لم يبحثوا عن شهرة، ولم ينتظروا كاميرا، ولم يسألوا: ماذا سنحصل عليه مقابل ما نفعل؟
كان أمامهم خطر حقيقي، وكان عليهم أن يتصرفوا في اللحظة التي لا تحتمل التأخير.
فدخلوا إلى قلب الخطر.
وهنا تحديدًا يجب أن نتوقف.
ما جرى في ميناء دمياط ليس مجرد واقعة عابرة تنتهي بانتهاء الحريق. إنها قصة بطولة حقيقية، ودرس في معنى المسؤولية، ومشهد كان يجب أن تتوقف أمامه وسائل الإعلام طويلًا.
هؤلاء الرجال حموا ميناءً، وحموا منشآت، وحموا أرواحًا، وحالوا دون تحول الحادث إلى كارثة أكبر.
فأين الإعلام؟
أين البرامج التي تتحدث عن البطولة؟
أين المذيعون الذين يذهبون إليهم ليسألوهم: ماذا رأيتم؟ ماذا شعرتم وأنتم تدخلون إلى النار؟ ماذا دار في رؤوسكم وأنتم تعرفون أن الخطأ الواحد قد يكلفكم حياتكم؟
أين الصور التي يعرف من خلالها المواطن أسماء هؤلاء الرجال؟
لماذا نعرف أسماء عشرات المشاهير الذين لم يقدموا شيئًا للوطن سوى الظهور على الشاشة، بينما لا نعرف أسماء رجال خاطروا بأرواحهم من أجل أن يظل ميناء مصري آمنًا؟
المشكلة ليست في أن نستضيف المشاهير.
المشكلة أن يتحول الإعلام إلى ميزان مختل، يرفع من يستحق أحيانًا، ويمنح المساحة الأكبر لمن يجيد صناعة الضجيج، بينما يمر الأبطال الحقيقيون في صمت.
نحن بحاجة إلى إعادة تعريف معنى «النجم».
النجم ليس بالضرورة من يملك ملايين المتابعين.
النجم الحقيقي قد يكون رجلًا يرتدي خوذة، ويعمل في صمت، ويذهب إلى الخطر بينما يهرب الآخرون منه.
النجم الحقيقي قد يكون عاملًا أو مهندسًا أو بحارًا أو رجل إنقاذ لا يعرفه أحد، لكنه في لحظة واحدة يثبت أن قيمة الإنسان ليست في عدد المتابعين، وإنما في قدرته على التضحية عندما يحتاج الوطن إليه.
ولهذا فإن تكريم أبطال ميناء دمياط لا ينبغي أن يكون مجرد مراسم تنتهي بانتهاء الحفل.
نريد أن يعرف المصريون هؤلاء الرجال.
نريد أن يسمعوا قصصهم.
نريد أن يجلسوا أمام الكاميرات، لا بحثًا عن الشهرة، وإنما حتى يتعلم أبناؤنا أن البطولة لها وجوه أخرى غير تلك التي تقدمها لنا بعض الشاشات كل يوم.
نريد أن يرى الطفل المصري قدوة حقيقية أمامه.
رجلًا يقول له بالفعل، وليس بالكلام:
الوطن أولًا.
تحية إلى كل من شارك في ملحمة إنقاذ ميناء دمياط.
تحية إلى الذين دخلوا النار بينما كان غيرهم يبحث عن مكان آمن.
تحية إلى الرجال الذين أثبتوا أن مصر ما زال فيها من يستطيع أن يقف في أصعب اللحظات.
أما نحن، فعلينا أن نسأل أنفسنا سؤالًا صريحًا:
هل نريد إعلامًا يصنع النجوم… أم إعلامًا يكشف الأبطال؟
لأن الفرق بين الاثنين هو الفرق بين إعلام يصنع ضجيجًا، وإعلام يصنع وطنًا.
آه يا بلد… أحيانًا يكون أبطالك الحقيقيون هم آخر من يعرفهم الناس.