لبنان والخليج وإيران… صراع يرسم النظام الإقليمي الجديد

بقلم : د. ليون سيوفي
باحث وكاتب سياسي
لم تعد التطورات التي تشهدها المنطقة مجرد أحداث متفرقة، بل أصبحت حلقات مترابطة في مشروع أكبر لإعادة تشكيل الشرق الأوسط. فمن جنوب لبنان إلى الخليج العربي، ومن طهران إلى العواصم الدولية، تتسارع الوقائع السياسية والعسكرية لتؤكد أن المنطقة دخلت مرحلة انتقالية قد تنتهي بولادة نظام إقليمي جديد، يختلف في توازناته وتحالفاته وقواعد اشتباكه عما عرفناه خلال العقود الماضية.
في لبنان، حملت الساعات الماضية رسائل تتجاوز البعد العسكري. فالتصعيد الإسرائيلي في الجنوب، واستمرار العمليات العسكرية، يؤكدان أن إسرائيل لا تتعامل مع ما يجري بوصفه مواجهة عابرة، بل تعتبره جزءاً من استراتيجية تهدف إلى فرض واقع أمني طويل الأمد على حدودها الشمالية، ومنع أي عودة إلى المعادلات التي كانت قائمة قبل الحرب. وهذا يعني أن أي حديث عن استقرار دائم سيبقى ناقصاً ما لم يقترن بانسحاب إسرائيلي كامل من الأراضي اللبنانية، واحترام السيادة الوطنية، وتمكين الدولة اللبنانية من بسط سلطتها على كامل أراضيها.
وفي المقابل، تتحرك الدبلوماسية الدولية بوتيرة متسارعة، في محاولة للوصول إلى ترتيبات أمنية وسياسية تمنع انفجار جبهة الجنوب مجدداً. إلا أن نجاح هذه الجهود يبقى رهناً بمدى التزام جميع الأطراف، لأن أي خرق أو تصعيد جديد قد يعيد المنطقة إلى نقطة الصفر.
أما في الخليج العربي، فتتجه الأنظار إلى أمن الممرات البحرية، واستقرار أسواق الطاقة، ومستقبل التوازنات بين القوى الإقليمية والدولية. فكل اضطراب في هذه المنطقة ينعكس فوراً على الاقتصاد العالمي، وهو ما يدفع القوى الكبرى إلى تكثيف حضورها السياسي والعسكري، منعاً لأي مواجهة قد تهدد الملاحة الدولية أو إمدادات النفط والغاز.
وتبقى إيران اللاعب الأكثر حضوراً في هذه المعادلة. فهي تواجه ضغوطاً متزايدة على أكثر من جبهة، لكنها في الوقت نفسه تحاول الحفاظ على أوراق قوتها ونفوذها الإقليمي، إدراكاً منها أن أي تراجع في موقعها سيؤثر في مجمل التوازنات التي تشكلت خلال السنوات الماضية. ومن هنا، فإن الصراع لم يعد يدور حول معركة محددة أو ساحة بعينها، بل حول موقع إيران في النظام الإقليمي الذي يجري العمل على رسمه.
ولا يمكن تجاهل أن الولايات المتحدة تسعى إلى بناء منظومة أمنية جديدة في الشرق الأوسط، تقوم على تحالفات أكثر تماسكاً بين حلفائها، وربط الأمن الإقليمي بالمصالح الاقتصادية والاستراتيجية، في حين تحاول قوى دولية أخرى، وفي مقدمها روسيا والصين، تثبيت موطئ قدم لها في المعادلة الجديدة، بما يمنع قيام نظام أحادي القطبية في المنطقة.
إن لبنان يقف اليوم في قلب هذه التحولات. فهو ليس مجرد دولة تتأثر بما يجري حولها، بل أصبح إحدى الساحات التي سيُبنى على نتائجها شكل التوازنات المقبلة. لذلك، فإن حماية لبنان لا تكون بالشعارات، بل ببناء دولة قوية، تمتلك قرارها السيادي، وتعزز مؤسساتها، وتستثمر في وحدتها الوطنية، لأن الدولة وحدها هي القادرة على مواجهة العواصف الإقليمية.
إن ما نشهده اليوم ليس نهاية أزمة، بل بداية مرحلة جديدة. مرحلة ستُرسم فيها خرائط النفوذ، وستُعاد صياغة التحالفات، وسيكون ميزان القوة فيها قائماً على مزيج من الردع العسكري، والنفوذ الاقتصادي، والقدرة على فرض التسويات السياسية.
إن الشرق الأوسط يقف عند مفترق طرق تاريخي، ولبنان يقف في قلب هذا المفترق. وما سيُحسم خلال الأشهر المقبلة لن يحدد فقط مستقبل الجنوب اللبناني أو أمن الخليج أو دور إيران، بل سيحدد شكل النظام الإقليمي الجديد لعقود قادمة، ومن سيكون اللاعب المؤثر فيه، ومن سيجد نفسه مضطراً للتكيف مع واقع لم يعد يشبه الماضي.