هل تخلت إيران عن القضية الفلسطينية؟


كتب – محسن العريشي
أثار غياب أي إشارة إلى القضية الفلسطينية أو قضية القدس في الاتفاق الأمريكي-الإيراني الخاص بوقف إطلاق النار العديد من التساؤلات حول مستقبل الخطاب الإيراني التقليدي بشأن “تحرير القدس” و”دعم المقاومة”، والذي شكل أحد أهم مرتكزات السياسة الخارجية الإيرانية منذ قيام الثورة الإسلامية عام 1979.
فعلى مدى أكثر من أربعة عقود، قدمت طهران نفسها باعتبارها رأس حربة في مواجهة إسرائيل، ورفعت شعار “القدس هي القضية المركزية للأمة الإسلامية”، كما تبنت دعم عدد من الحركات والفصائل المسلحة في المنطقة تحت عنوان “محور المقاومة”.
إلا أن التطورات الأخيرة تشير إلى تحول تدريجي في أولويات الأمن القومي الإيراني، حيث باتت القيادة الإيرانية تضع حماية النظام السياسي، والحفاظ على الاستقرار الداخلي، ومنع المواجهة العسكرية الشاملة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، في مقدمة أولوياتها الاستراتيجية.
وفي هذا السياق، جاء الاتفاق الأمريكي-الإيراني لوقف إطلاق النار خاليًا من أي إشارة إلى القضية الفلسطينية أو مستقبل القدس أو حتى الضمانات المتعلقة بالفصائل الحليفة لإيران في المنطقة، وهو ما اعتبره بعض المراقبين مؤشرًا على انتقال إيران من مرحلة “المواجهة الأيديولوجية” إلى مرحلة “إدارة المصالح الوطنية”.
ويرى أصحاب هذا التفسير أن طهران قبلت عمليًا بفصل ملفات الصراع الإقليمي عن ملف علاقاتها المباشرة مع واشنطن، وأنها باتت تتعامل مع القضية الفلسطينية باعتبارها ورقة نفوذ إقليمية أكثر من كونها هدفًا استراتيجيًا مستقلاً للسياسة الإيرانية.
كما يطرح هذا التطور تساؤلات جوهرية حول مستقبل مفهوم “محور المقاومة”، ومدى قدرة إيران على الاستمرار في قيادة هذا المحور إذا أصبحت أولويتها الرئيسية تتمثل في تجنب الصدامات العسكرية الكبرى والحفاظ على مكاسبها الداخلية والإقليمية.
ومن ناحية أخرى، يرى فريق آخر من المحللين أن غياب القضية الفلسطينية عن الاتفاق لا يعني بالضرورة تخلي إيران عنها، وإنما يعكس طبيعة الاتفاق ذاته باعتباره اتفاقًا أمنيًا محدودًا يركز على وقف التصعيد وترتيبات الأمن الإقليمي، وليس على القضايا السياسية الأوسع المتعلقة بالصراع العربي الإسرائيلي.
ومع ذلك، فإن المقارنة بين الخطاب الإيراني التقليدي الذي ربط شرعية المشروع الإقليمي الإيراني بتحرير القدس، وبين الاتفاقات والتفاهمات الحالية التي لا تتضمن أي التزامات أو حتى إشارات إلى هذه القضية، تكشف عن اتساع الفجوة بين الشعارات الأيديولوجية ومتطلبات السياسة الواقعية.
وربما تمثل هذه اللحظة بداية تحول استراتيجي أوسع في السياسة الإيرانية، تنتقل فيه طهران من مشروع “تصدير الثورة” وقيادة الصراع الإقليمي إلى مشروع يركز بصورة أكبر على حماية الدولة الإيرانية وتعظيم مصالحها القومية المباشرة.
ويبقى السؤال المطروح أمام الرأي العام العربي والإسلامي: هل كان دعم إيران للقضية الفلسطينية هدفًا استراتيجيًا ثابتًا، أم أنه كان في جانب منه أداة لتعزيز النفوذ الإقليمي وتحسين موقع إيران في معادلات القوة في الشرق الأوسط؟
الإجابة عن هذا السؤال ستتوقف على السياسات الإيرانية خلال السنوات المقبلة، وليس فقط على ما ورد أو لم يرد في اتفاق سياسي بعينه.