اللواء سيد الشافعى اسد ملحمة «أكتوبر التي لا تموت.. حكاية أبطالٍ صنعت النصر ثم رحلوا في صمت»

رؤية وتحليل : علي خليل
«أسود أكتوبر.. رجال عبروا إلى النصر بارواحهم
لم تكن حرب أكتوبر 1973 مجرد معركة عسكرية عابرة في تاريخ مصر، ولا صفحةً من صفحات الصراع العربي الإسرائيلي يمكن أن تُختزل في أرقام الخسائر ومواقع القتال. كانت أكتوبر لحظةً استثنائية استعادت فيها مصر والعرب شيئًا بالغ الأهمية: الثقة في القدرة على الفعل بعد سنواتٍ من الانكسار.
فبعد هزيمة يونيو 1967، بدا المشهد أمام كثيرين وكأن الجيش الإسرائيلي أصبح قوةً لا يمكن الاقتراب منها، وأن خطوطه الحصينة في سيناء، وفي مقدمتها خط بارليف، تمثل جدارًا يستحيل اختراقه. لكن السادس من أكتوبر جاء ليغيّر هذه المعادلة، عندما عبر الجندي المصري قناة السويس، واقتحم التحصينات، وواجه الدبابات والطائرات والمدفعية، وأثبت أن الإرادة العسكرية حين تستند إلى التخطيط والتدريب والشجاعة تستطيع أن تفاجئ أقوى الخصوم.
وفي حرب أكتوبر لم تكن البطولة حكرًا على أسماءٍ قليلة عُرفت في الكتب ووسائل الإعلام. خلف المشهد الكبير كانت هناك آلاف القصص لرجال أدوا واجبهم ثم عاد كثير منهم إلى الظل، وظلت بطولاتهم حبيسة الذاكرة الشخصية أو شهادات رفاق السلاح ومذكراتهم.
ومن بين هذه الصفحات التي تستحق التوقف أمامها، تأتي رواية اللواء السيد الشافعي، قائد اللواء الخامس مشاة بالفرقة التاسعة عشرة من الجيش الثالث الميداني، وما نُسب إليه من قيادة عملية جريئة ضد مركز قيادة إسرائيلي في سيناء، وما ارتبط بها من اشتباكات عنيفة وأسر عدد من الجنود الإسرائيليين وتدمير دبابات خلال المعارك.
والقيمة الحقيقية في مثل هذه الروايات لا تكمن في المبالغة أو صناعة الأساطير، وإنما في العودة إلى الوثائق ومذكرات القادة وشهادات المشاركين في الحرب؛ حتى تبقى الذاكرة العسكرية المصرية قائمة على الحقيقة الموثقة، لا على الرواية الشفهية وحدها.
لقد صنعت أكتوبر آلاف الأبطال، بعضهم حملت الصحف أسماءهم، وبعضهم ظل مجهولًا خارج وحدته ورفاقه وأسرته. وربما كانت هذه هي المفارقة الأكثر قسوة: أن رجالًا صنعوا جزءًا من تاريخ الوطن ثم مضوا من الدنيا في هدوء، بينما بقيت تفاصيل بطولاتهم بعيدة عن اهتمام الإعلام.
لكن التاريخ الحقيقي لا يموت بالصمت.
والحديث عن أبطال أكتوبر اليوم ليس بحثًا عن تمجيد شخصي، ولا محاولة لإحياء الماضي لمجرد الحنين إليه، وإنما هو دفاع عن ذاكرة أمة يجب ألا تسمح بأن تُمحى لحظاتها الكبرى من وجدان أجيالها.
فالأمم التي تنسى كيف انتصرت، تنسى أيضًا كيف تواجه لحظات الانكسار.
ومن هنا تأتي أهمية استعادة سيرة رجال أكتوبر، والتحقق من رواياتهم، والعودة إلى سجلات الحرب وشهادات قادتها وجنودها، لأن وراء كل معركة كبرى رجالًا دفعوا الثمن، ووراء كل نصر أسماءً ربما لم تأخذ حقها من التكريم.
رحم الله كل شهداء حرب أكتوبر، ورحم أبطالها الذين رحلوا بعد أن أدوا واجبهم، وحفظ ذاكرة مصر التي عبرت في السادس من أكتوبر من الهزيمة إلى استعادة الإرادة دة.
………
المصادر والتوثيق: مذكرات اللواء السيد الشافعي، وما نشرته مصادر صحفية مصرية وعربية حول دوره في حرب أكتوبر، مع مراجعة الروايات المتداولة ومقارنتها بالمصادر المتاحة
