حين يُضرب موظفو الدولة… يبدأ سقوط هيبة الدولة

د. ليون سيوفي
باحث وكاتب سياسي

إلى الحكومة اللبنانية:

لا تخطئوا قراءة المشهد.

إضراب موظفي القطاع العام ليس مجرد إقفال أبواب الإدارات ليوم أو يومين، وليس مجرد خلاف على بدل أو راتب أو مستحقات.
إنه جرس إنذار سياسي.
فالذي يتوقف اليوم عن العمل هو الموظف الذي يفترض أن يحمل مؤسسات الدولة على كتفيه.
وعندما يقول موظف الدولة: لم نعد قادرين على الاستمرار بهذه الشروط، فعلى الحكومة أن تتوقف عن سماع صوت الإضراب فقط، وأن تسمع ما وراء الإضراب.
هناك غضب، وهناك فقدان ثقة.
وهناك شعور متزايد بأن الدولة تطلب من مواطنيها التضحية، بينما لا تقدم لهم في المقابل دولةً قادرة على حماية حقوقهم أو تأمين أبسط مقومات الحياة الكريمة.
والأخطر من ذلك أن الأزمة لا تتوقف عند الموظفين.
فإذا امتد الاحتجاج إلى قطاعات أخرى، وإذا التقت مطالب الموظف مع مطالب المتقاعد والعسكري والعامل، وإذا شعر المواطن بأن الجميع يدفع ثمن أزمة لم يصنعها، فإن المشهد سيتغير بالكامل.
عندها لن يكون أمام الحكومة إضراب موظفين.
سيكون أمامها أزمة ثقة بالدولة.
وهنا يجب أن تفهم الحكومة قاعدة سياسية بسيطة:
الحكومات لا تسقط عندما تغلق مكاتبها فقط؛ الحكومات تبدأ بالسقوط عندما يفقد الناس الثقة بأنها قادرة على حل مشاكلهم.
لا يمكن للحكومة أن تطلب من المواطن دفع المزيد من الضرائب والرسوم، وأن تطلب من الموظف الصبر، وأن تطلب من المتقاعد الانتظار، ثم تتوقع أن يبقى الشارع هادئًا إلى ما لا نهاية.
الناس ليست أرقامًا في جداول وزارة المالية.
الموظف ليس بندًا في الموازنة.
المتقاعد ليس عبئًا.
والمواطن ليس ماكينة لدفع الضرائب.
هؤلاء هم الدولة.
وإذا كانت الدولة لا تستطيع حماية حقوق موظفيها، فكيف تريد من المواطن أن يثق بها؟
وهنا تأتي الرسالة الأخطر، لا تختبروا قدرة الناس على الاحتمال…فالصبر ليس موافقة، والهدوء ليس رضا، والسكوت ليس ثقة.
وقد يكون المجتمع هادئًا لفترة طويلة، ثم يكتشف فجأة أن المشكلة لم تعد في راتبه فقط، بل في مستقبل الدولة كلها.
لذلك فإن أمام الحكومة خيارين:
إما أن تتعامل مع الإضراب باعتباره فرصة لتصحيح الخلل، وتفتح مفاوضات جدية وشفافة، وتقدم جدولًا واضحًا لتنفيذ الحقوق ضمن قدرة الدولة المالية.
وإما أن تتعامل معه بمنطق التحدي والمكابرة، وعندها قد تجد نفسها أمام أزمة تتجاوز قدرتها على الاحتواء.
الحكومة لا ينبغي أن تخاف من الموظف المضرب.
بل ينبغي أن تخاف من اللحظة التي يصبح فيها الموظف والمواطن والمتقاعد والنقابي جميعًا مقتنعين بأن المشكلة لم تعد في الحكومة وحدها، بل في طريقة إدارة الدولة بأكملها.
عندها يصبح السؤال الحقيقي..من يحكم الدولة إذا تعطلت إدارتها؟
ومن يدفع ثمن هذا التعطيل؟
ومن يتحمل مسؤولية بلدٍ تزداد فيه الضرائب، وتزداد الأعباء، بينما تتراجع القدرة على تأمين أبسط الحقوق؟
أيها المسؤولون، لا تدفعوا الناس إلى اليأس ثم تتفاجأوا بالغضب.
لا تجعلوا الموظف يشعر أن الدولة خصمه.
ولا تجعلوا المواطن يشعر أن الدولة موجودة فقط عندما تريد منه أن يدفع.
فالسلطة التي لا تسمع الناس في وقت السلم، قد تسمعهم عندما يصبح صوت الشارع أعلى من صوت مكاتبها.
هذه ليست معركة رواتب فقط، إنها معركة كرامة وثقة ودولة، وإذا فشلت الحكومة في إدارتها، فقد لا يكون الإضراب هو الذي يُسقطها…بل فقدان الثقة الذي يأتي بعده.
والتاريخ السياسي لا يرحم الحكومات التي لا تعرف قراءة إشارات الانهيار قبل وقوعه.
رسالتي إلى الحكومة ووزرائها ونوابها لا تستهينوا بصبر الناس. فحين يُغلق الموظف مكتبه اليوم احتجاجًا على حقّه، قد يأتي يوم يُغلق فيه الشعب أبواب ثقته بكم. لا تدفعوا الشارع إلى اللحظة التي يتحول فيها الصمت إلى موقف، والموقف إلى انتفاضة شعبية سلمية على الفشل والعجز. عندها لن تنفع البيانات ولا الوعود ولا شراء الوقت. احذروا غضب شعبٍ لم يعد يملك ما يخسره إلا صوته… وحين يعلو صوت الشعب، تصبح استقالة الحكومة أهون من مواجهة الحقيقة.

رحم الله الـ1500 ليرة… يوم كان للراتب قيمة وللموظف كرامة

رحم الله أيامًا كان فيها الدولار 1500 ليرة، وكان الموظف اللبناني، رغم محدودية راتبه، يستطيع أن يعيش بقدرٍ من الكرامة، ويدفع فاتورته، ويؤمّن حاجاته، ويخطّط ليومه التالي من دون أن يستيقظ كل صباح على رقم جديد لسعر الدولار.
ثم توالت الحكومات، وتراكمت الأخطاء، وتضخّمت الديون، وانفجرت الأزمة المالية والنقدية، فسقطت الليرة، وسقط معها جزء كبير من الطبقة الوسطى، وتحول راتب الموظف من مصدر أمان إلى رقم لا يكفيه لأيام.
ولنكن صريحين، ما نعيشه اليوم لم يعد مجرد أزمة مالية، بل هو فشل متراكم في إدارة الأزمة. فالدول لا تنهار فقط عند لحظة الانفجار، بل عندما تتحول الأزمة إلى واقع دائم، وتفقد السلطة قدرتها على احتوائها أو حتى الحدّ من تمددها.
وهنا تكمن المأساة الحقيقية..حكومة إدارة الأزمة التي فشلت في إدارة الأزمة.
فبدل أن تكون هذه الحكومة محطة لوقف الانهيار، تحولت إلى امتداد له، وبدل أن تضع حدًا للتدهور، اكتفت بإدارته بالحد الأدنى من ردود الفعل، من دون رؤية متكاملة أو قرارات جريئة تعيد ضبط المسار.
أما هذه الحكومة، فقد دخلت إلى المشهد وهي تحمل آمالًا كبيرة. اعتقد كثيرون أنها قد تكون حكومة إدارة الأزمة تمهيدًا للإنقاذ، وأن رئيسها قادر على ضبط الإيقاع المالي، ووقف التدهور، وفتح مسار إصلاحي تدريجي يعيد الحد الأدنى من الثقة.
لكن إدارة الأزمة لا تُقاس بالتصريحات، ولا بالنوايا، بل بالقدرة على اتخاذ قرارات صعبة في الوقت المناسب، وبمنع تفاقم الخسائر بدل الاكتفاء بتوصيفها أو تأجيلها.
ماذا بقي من إدارة الأزمة اليوم؟
الموظف يصرخ من وجع راتبه، والإدارة العامة تتعطل، والخدمات تتراجع، والثقة بالدولة تتآكل، فيما تُدار الأزمة غالبًا بردود فعل متأخرة، لا بخطط استباقية واضحة، ولا بإجراءات متماسكة توقف الانحدار.
إن حكومة إدارة الأزمة التي تفشل في إدارة الأزمة، تتحول عمليًا إلى حكومة إدارة الانهيار، لا أكثر.
لكن الأخطر من ذلك أن ما يُسمّى “خسائر” لم يعد مجرد أرقام في دفاتر الدولة، بل هو أموال منهوبة وحقوق مسروقة من الناس.
فما يُطرح اليوم تحت عنوان “توزيع الخسائر” ليس سوى محاولة لتقنين واقع نشأ عن سياسات مالية خاطئة، وهندسات مشبوهة، وفساد ممنهج، وتهريب للأموال، وتواطؤ بين السلطة والقطاع المصرفي.
وهنا لا بد من قول الحقيقة كما هي…لا توجد خسائر بريئة. هناك أموال سُرقت، وودائع استُبيحت، وثروات نُقلت خارج البلاد، ويجب محاسبة من ارتكب ذلك واسترداد ما يمكن استرداده.
فلا عدالة في أن يُطلب من المواطن أن يتحمّل “الخسارة”، بينما من تسبب بالانهيار أو استفاد منه ينجو من أي محاسبة.
الدولة التي تعجز عن ضبط أزمتها، لا تبقى في دائرة التعثر، بل تنزلق تدريجيًا نحو التفكك، حيث تصبح المعالجات الجزئية مجرد مسكنات لا تغيّر في جوهر الواقع شيئًا.
ولذلك، فإن المطلوب اليوم ليس إدارة أزمة فاشلة، بل:
خطة واضحة، قرارات شجاعة، توزيع عادل للمسؤوليات لا للخسائر، وإرادة حقيقية لوقف الانهيار قبل الحديث عن أي تعافٍ.
لقد سئم اللبناني من الحكومات التي تتعامل مع الأزمة كقدرٍ محتوم، لا كجريمة اقتصادية لها مرتكبوها.
وسئم من طبقة سياسية تكتفي بإدارة التراجع بدل محاسبة من صنعه.
نحن لا نطلب معجزة، بل نطلب الحد الأدنى من الدولة.. دولة تحاسب، لا دولة تُحمّل الضحية وزر الجريمة.
رحم الله أيام الـ1500 ليرة…
لكن الأهم من الحنين إليها هو أن نسأل..
هل ما زالت لدينا دولة قادرة على محاسبة من سرقها؟ أم أننا ما زلنا نُطلب من الضحية أن تدفع ثمن السرقة؟

د. ليون سيوفي باحث وكاتب سياسي

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى