البحر الأحمر يعيد رسم الخريطة.. اليمن في قلب المعادلة الجديدة

تحليل بقلم :

خالد رويحة

من الحرب بالوكالة إلى استهداف العمق.. هل تتغير قواعد الاشتباك في المنطقة؟

لم تعد التطورات المتلاحقة في اليمن والبحر الأحمر مجرد سلسلة من الحوادث العسكرية المنفصلة.

ما يجري في البر والبحر، من اليمن إلى الخليج، ومن حضرموت والمخا إلى باب المندب وخليج عُمان، يكشف عن انتقال الصراع إلى مرحلة أكثر تعقيدًا؛ مرحلة لم يعد فيها ممكناً الفصل بسهولة بين التحركات العسكرية، والتحالفات الإقليمية، وأمن الملاحة، والحسابات الدولية.

في اليمن، تبرز المخا والساحل الغربي مجددًا باعتبارهما نقطتين شديدتي الحساسية في معادلة الصراع، بينما تتواصل الضغوط والضربات المرتبطة بالممرات البحرية.

وفي المقابل، تبدو السعودية أمام معادلة أمنية أكثر تعقيدًا: كلما اتسعت مساحة التحرك العسكري أو اعتمدت الأطراف على قوى محلية، أصبح احتمال انتقال النار إلى مناطق أوسع جزءًا من الحسابات.

المخا.. عندما تتحول الجغرافيا إلى نقطة اشتباك

المخا ليست مجرد مدينة ساحلية.

موقعها يجعلها جزءًا من منظومة جغرافية تمتد من الساحل الغربي لليمن إلى باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية في العالم.

ولهذا فإن أي تحشيد أو نشاط عسكري في هذه المنطقة لا يمكن قراءته بمعزل عن أمن الملاحة الدولية.

والأهم أن الهجمات البحرية الأخيرة تؤكد أن البحر الأحمر لم يعد مجرد ممر تجاري تحاول القوى الدولية حمايته، بل أصبح أحد ميادين الصراع المباشر.

البحر الأحمر لم يعد بعيدًا عن الخليج

التطور الأخطر أن نطاق المخاطر لم يعد محصورًا في باب المندب.

التقارير الأخيرة تحدثت عن هجمات على سفن في البحر الأحمر وخليج عُمان، بالتزامن مع حادث تسرب نفطي من ناقلة قرب عُمان.

وهذا يعني أن المعادلة البحرية باتت مترابطة أكثر من أي وقت مضى.

سفينة تتعرض للهجوم هنا، وناقلة تتضرر هناك، وممر ملاحي يتأثر في منطقة ثالثة؛ والنتيجة أن أمن البحر أصبح جزءًا من الأمن السياسي والعسكري للدول المحيطة.

التحالف السعودي ـ الباكستاني ـ التركي.. رسالة تتجاوز حدود الدول الثلاث

وفي الجانب الآخر، تظهر محاولة بناء ترتيبات أمنية إقليمية جديدة.

ففي 7 أغسطس، وقعت السعودية وتركيا وباكستان اتفاق دفاع مشترك، في خطوة تعكس اتجاهًا متزايدًا نحو بناء ترتيبات أمنية إقليمية خارج الاعتماد الكامل على المظلة الأمريكية. وتشير تقارير إلى أن الاتفاق يقوم على مبدأ اعتبار الاعتداء المسلح على دولة عضو اعتداءً على الدول الأخرى.

وهنا تظهر أهمية السؤال المصري.

أين تقف مصر من هذه الترتيبات؟

القاهرة ليست دولة هامشية في معادلة البحر الأحمر، بل تمتلك قناة السويس، وتطل على البحر الأحمر، وتملك وزنًا عسكريًا وسياسيًا يجعل أي إعادة تشكيل للأمن الإقليمي ذات صلة مباشرة بمصالحها.

لذلك فإن مجرد الحديث عن توسيع أي ترتيبات دفاعية إقليمية لتشمل دولًا أخرى، ومنها مصر، يستحق قراءة مستقلة بعيدًا عن التسريبات والاصطفافات الإعلامية.

السودان.. الجبهة الأخرى في المعادلة

وفي السودان، لا يمكن تجاهل التطورات الداخلية عن المشهد الإقليمي.

فالحرب السودانية لم تعد صراعًا داخليًا فقط؛ الجغرافيا السودانية تجعلها مرتبطة بحدود مصر وإثيوبيا والبحر الأحمر وتشاد وليبيا، وتحوّل أي اضطراب في الحدود إلى مسألة أمن إقليمي.

والأخطر من المعارك نفسها هو ظهور الانشقاقات داخل المعسكرات المتصارعة.

فحين يبدأ التفكك من الداخل، تصبح قدرة أي طرف على السيطرة على الأرض وعلى إدارة التحالفات أقل استقرارًا.

الحرب بالوكالة تواجه اختبارًا جديدًا

المشكلة الأساسية في الحروب بالوكالة أنها تمنح الأطراف التي تقف خلف المشهد مساحة للإنكار.

لكن عندما تنتقل الضربات إلى مناطق أوسع، وتصبح خطوط الإمداد والتحشيد والاستثمار العسكري مكشوفة، تتقلص المسافة بين “الأداة” و”صاحب القرار”.

وهنا تحديدًا تتغير قواعد اللعبة.

لم يعد السؤال فقط:

من يطلق النار؟

بل أصبح:

من صنع البيئة التي جعلت إطلاق النار ممكنًا؟

المعادلة الجديدة

ما يجري الآن في البحر الأحمر واليمن والخليج والسودان قد لا يكون حربًا واحدة، لكنه بالتأكيد أصبح جزءًا من بيئة استراتيجية واحدة.

البحر الأحمر يضغط على الخليج.

الخليج يؤثر في التحالفات.

التحالفات تعيد تشكيل الحسابات العسكرية.

واليمن يبقى إحدى أهم نقاط اختبار هذه المعادلة.

ولهذا فإن المرحلة المقبلة لن تُقاس فقط بعدد الضربات أو حجم التحشيدات، وإنما بقدرة كل طرف على حماية مصالحه من دون الانجرار إلى حرب إقليمية مفتوحة.

فالمنطقة لا تعيد توزيع الأسلحة فقط.. إنها تعيد توزيع مراكز القوة.

وهنا يصبح السؤال الأهم:

هل نحن أمام إعادة تشكيل للأمن الإقليمي.. أم أمام مقدمات لحرب أكبر لم تبدأ فصولها بعد؟

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى