من البحر الأحمر إلى هرمز.. المنطقة تدخل مرحلة «حرب الممرات»

غزة ولبنان والعراق واليمن وإيران وأوكرانيا..

صراعات تتقاطع عند النفط والموانئ والسلاح

لم يعد المشهد الإقليمي يتحرك وفق جبهة واحدة يمكن قراءتها بمعزل عن غيرها. فمن البحر الأحمر إلى مضيق هرمز، ومن غزة ولبنان والعراق إلى اليمن وإيران، تتقاطع الجغرافيا مع السياسة، والموانئ مع الطاقة، والمفاوضات مع حسابات الردع.

خلال الساعات الأخيرة، عادت حركة الملاحة إلى واجهة المشهد، مع بلاغات عن حوادث استهداف لسفن في مناطق بحرية مختلفة، بينها خليج عُمان والمياه قبالة سواحل المخا، فيما دعت جهات مختصة بالملاحة البحرية إلى توخي الحذر وفتحت تحقيقات في بعض الوقائع.

والرسالة التي يفرضها هذا التطور تتجاوز السفن المستهدفة نفسها؛ فالممرات البحرية لم تعد مجرد طرق لنقل البضائع والطاقة، وإنما تحولت إلى أوراق ضغط في الصراع الإقليمي والدولي.

وفي غزة، لا تزال الكلفة الإنسانية للحرب تتصاعد، بينما تتداخل التطورات الميدانية مع صراعات سياسية داخل إسرائيل، في ظل خلافات حول إدارة الحرب ومستقبل العمليات العسكرية، بالتزامن مع تجاذبات داخل الحكومة الإسرائيلية بشأن الانتخابات والخطط المتعلقة بالقطاع.

أما لبنان، فيقف أمام معادلة شديدة التعقيد: مفاوضات يمكن أن تفتح طريقًا لخفض التصعيد، في مقابل مخاوف من أن تتحول المفاوضات إلى مدخل لإعادة تشكيل توازنات القوة الداخلية قبل معالجة أصل المشكلة، وفي مقدمتها الاحتلال والسيادة اللبنانية.

وفي العراق، يعود ملف حصر السلاح إلى الواجهة، في وقت لا يزال فيه الجدل قائمًا حول كيفية بناء دولة قوية قادرة على حماية سيادتها، دون تجاهل الظروف التي نشأت فيها فصائل مسلحة لعبت أدوارًا في مواجهة الإرهاب والتهديدات الخارجية.

أما اليمن، فيبدو أن موقعه الجغرافي لم يعد يسمح بالتعامل معه باعتباره ملفًا منفصلًا عن أمن البحر الأحمر. فالساحل اليمني والممرات البحرية المحيطة به أصبحا جزءًا من معادلة أوسع تتداخل فيها الحسابات اليمنية والإقليمية والدولية.

وفي المقابل، يظل مضيق هرمز أحد أكثر مفاتيح الأزمة حساسية، نظرًا إلى ارتباطه المباشر بحركة الطاقة والتجارة العالمية، فيما تستمر الجهود الدبلوماسية المرتبطة بالمفاوضات الإيرانية عبر الوساطة العُمانية، وسط حديث عن مراحل مفصلية في مسار التفاوض.

ولا تتوقف تداعيات هذه الصراعات عند حدود المنطقة.

فالحرب الممتدة في أوكرانيا تفرض ضغوطًا متزايدة على المخزونات الدفاعية الأوروبية، خصوصًا مع الحاجة إلى موازنة الدعم العسكري لكييف مع الحفاظ على القدرات الدفاعية الوطنية.

وفي الوقت نفسه، تواصل روسيا وأوكرانيا تبادل الإعلانات حول التطورات الميدانية، بينما تكشف تداعيات الحرب عن أزمة أكبر تتعلق بإعادة تشكيل الصناعات الدفاعية وسلاسل الإمداد العسكرية في أوروبا.

ومن سوريا إلى شمال العراق وليبيا، تتوالى التطورات الأمنية والعسكرية، في وقت تتسع فيه دائرة الأزمات التي لم تعد محلية بالكامل، بل أصبحت مرتبطة بشبكة من المصالح الإقليمية والدولية.

وهكذا يبدو العالم أمام مشهد مختلف:

ليست هناك حرب واحدة، وإنما شبكة من الحروب والأزمات التي تتقاطع في نقاط محددة: البحر، والطاقة، والموانئ، والسلاح، والممرات التجارية.

وفي هذه الشبكة، يصبح السؤال الأهم ليس فقط: من يملك السلاح؟

بل:

من يملك القدرة على التحكم في طرق الطاقة والتجارة والضغط السياسي؟

فمن البحر الأحمر إلى هرمز، تتحول الجغرافيا إلى سلاح.

ومن غزة إلى لبنان والعراق واليمن، تتحول المفاوضات إلى جزء من معركة أكبر على النفوذ والردع.

أما القوى الكبرى، فتجد نفسها أمام معادلة لم تعد تسمح بإدارة الأزمات من بعيد كما كان يحدث في السابق.

العالم يتغير، والممرات البحرية أصبحت جبهات، والطاقة أصبحت ورقة سياسية، والردع أصبح لغة تفاوض.

وفي النهاية، قد لا تكون المعركة القادمة هي الحرب التي تعلنها العواصم رسميًا، وإنما الحرب التي تبدأ عندما يحاول طرف ما تغيير قواعد المرور والطاقة والردع دون أن يدفع ثمن ذلك.

وهنا تبدأ لحظة الحساب الحقيقية.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى