المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية: هل تستطيع الدولة الوصول إلى اتفاق في ظل الانقسام الداخلي؟

بقلم : د. ليون سيوفي
باحث وكاتب سياسي
تدخل المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية مرحلة شديدة الحساسية، في وقت تتمسك فيه الحكومة اللبنانية بحقها الدستوري في التفاوض باسم الدولة، فيما يبرز في الداخل اللبناني تباين واضح في المواقف حيال طبيعة هذه المفاوضات وأهدافها. وهنا يبرز السؤال الجوهري: إلى أين يمكن أن تصل هذه المفاوضات في ظل استمرار الانقسام الداخلي؟
وتزداد أهمية هذا المسار بعد ما وُصف بالاتفاق الإطاري، الذي اعتبرته الجهات الراعية الخطوة الأولى لفتح باب التفاوض حول الملفات العالقة بين لبنان وإسرائيل، فيما وصفه السفير الإسرائيلي بأنه “إطار عمل تاريخي”، في إشارة إلى اعتباره نقطة تحول في إدارة النزاع. وفي المقابل، تصرّ إسرائيل على أن هدفها النهائي هو الوصول إلى السلام مع لبنان، وتعرض هذه المفاوضات باعتبارها بداية لمسار قد يقود إلى علاقة أكثر استقرارًا بين البلدين، وهو ما يثير انقسامًا واسعًا داخل الساحة اللبنانية بين من يراها فرصة لمعالجة الملفات العالقة، ومن يعتبرها مدخلًا إلى التطبيع.
من الناحية القانونية والدستورية، لا يملك أي طرف غير الدولة اللبنانية حق التفاوض وإبرام الاتفاقات الدولية. لكن في الواقع السياسي والأمني، فإن أي اتفاق لن يُكتب له النجاح إذا لم يكن قابلاً للتنفيذ على الأرض، وهو ما يجعل التوافق الوطني عنصرًا أساسيًا في نجاح أي تفاهم.
وفي المقابل، تدرك الجهات الدولية وإسرائيل أن أي تفاهم لا يأخذ بعين الاعتبار التوازنات الداخلية اللبنانية قد يبقى حبرًا على ورق. لذلك يبدو أن الهدف الحالي هو السعي إلى تفاهمات أمنية وتقنية تتناول الانسحاب من الأراضي اللبنانية، وترسيم النقاط الحدودية العالقة، وترتيبات تمنع تجدد المواجهات، من دون أن يعني ذلك بالضرورة الانتقال إلى اتفاق سياسي شامل في المرحلة الراهنة.
كما أن الملفات المطروحة على طاولة البحث لا تقتصر على الجوانب الحدودية والأمنية، بل ترتبط أيضًا بقضايا سيادية شديدة الحساسية، الأمر الذي يجعل أي تقدم في المفاوضات مرتبطًا بقدرة الدولة على بناء موقف وطني موحد يحظى بقبول داخلي واسع.
إن التحدي الحقيقي أمام الدولة اللبنانية لا يكمن فقط في الجلوس إلى طاولة التفاوض، بل في قدرتها على توحيد الموقف الداخلي. فالدول القوية تفاوض من موقع الإجماع الوطني، أما الدول المنقسمة فتدخل أي مفاوضات وهي تحمل نقاط ضعفها معها.
ويبقى هذا المسار مرتبطًا أيضًا بالتطورات الإقليمية، إذ إن أي عودة للحرب بين الولايات المتحدة أو إسرائيل وإيران قد تؤدي إلى تجميد المفاوضات أو تأجيل تنفيذ أي تفاهمات يتم التوصل إليها، لأن الأولوية ستتحول إلى إدارة المواجهة العسكرية. وعليه، فإن مستقبل هذه المفاوضات لا يتوقف على الإرادة اللبنانية والإسرائيلية فحسب، بل يتأثر أيضًا بمسار الأحداث في المنطقة وموازين القوى التي قد تفرزها.
وفي المحصلة، تبقى المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية رهينة عامل حاسم واحد: وحدة الموقف الداخلي. فمهما بلغت الضغوط الدولية أو الطموحات الإسرائيلية، لن يتحقق أي تقدم فعلي من دون توافق لبناني واضح يحدد أهداف التفاوض وحدوده. وعليه، فإن غياب هذا الإجماع لا يعني فقط إبطاء المسار، بل يهدد بإفشاله بالكامل، فيما يشكل تحقيقه الشرط الأساسي لأي اتفاق قابل للحياة والتنفيذ.