وسط فوضى الساحل الأفريقي.. كيف نجحت موريتانيا في مواجهة التطرف؟

في وقت تشهد فيه منطقة الساحل الأفريقي تصاعدًا في نشاط الجماعات المسلحة، تبرز  موريتانيا كنموذج استثنائي في احتواء تهديد التيارات المتشددة ومنع نشاطها داخل أراضيها.

 ويُعزى هذا النجاح إلى مقاربة شاملة تجمع بين الجهود الأمنية والعسكرية، ودور المؤسسات الدينية والتعليمية، إلى جانب انخراط المجتمع المدني والسكان المحليين في تعزيز الاستقرار ومواجهة الفكر المتطرف، ما ساهم في تحصين البلاد من موجة العنف التي تضرب دول الجوار.

وكشف تقرير مجلة “جون أفريك” الفرنسية أن موريتانيا نجحت خلال السنوات الأخيرة في بناء منظومة أمنية واجتماعية متكاملة حالت دون تمكّن الجماعات المتشددة الناشطة في منطقة الساحل من إيجاد موطئ قدم دائم داخل أراضيها، رغم التحديات الأمنية المتزايدة على حدودها الشرقية مع مالي.

حدود طويلة وتحديات مستمرة
وأوضحت المجلة أن ما يُعرف بـ”الوصفة الموريتانية” في مكافحة الإرهاب لا تعتمد فقط على القدرات العسكرية، بل ترتكز أيضًا على شبكة واسعة من الرصد المجتمعي والتنسيق الأمني. 

ففي المناطق الصحراوية الشاسعة، يؤدي السكان المحليون وناقلو البضائع وسائقو المركبات دورًا مهمًا في الإبلاغ عن التحركات المشبوهة، ما يوفر للأجهزة الأمنية معلومات ميدانية تساعدها على التحرك السريع.

وفي هذا السياق، أورد التقرير قصة ثلاثة موريتانيين التحقوا بتنظيم “القاعدة” في شمال مالي قبل أكثر من عقد، قبل أن يقرروا العودة سرًا إلى بلادهم.

 وبحسب المجلة، كانت الأجهزة الأمنية تتابع تحركاتهم منذ دخولهم الأراضي الموريتانية، وتمكنت من توقيفهم في منطقة نائية وسط البلاد، في واقعة تعكس فعالية منظومة الرصد الاستخباراتي وقدرتها على متابعة التحركات داخل المناطق الصحراوية.

ورغم نجاح نواكشوط في تحييد التهديدات الإرهابية داخل حدودها، فإن المخاطر لا تزال قائمة، حيث تمتد الحدود الموريتانية مع مالي لأكثر من 2200 كيلومتر، في مناطق تشهد نشاطًا للجماعات المسلحة وشبكات التهريب، ما يفرض ضغوطًا أمنية متواصلة على السلطات.

المقاربة الأمنية والاستباقية
وبحسب “جون أفريك”، تتبنى السلطات الموريتانية استراتيجية أمنية قائمة على الاستباق والردع، من خلال تعزيز الاستخبارات الداخلية، ومراقبة المناطق الحدودية، وتنفيذ عمليات وقائية ضد أي تهديد محتمل.

كما عزز الجيش الموريتاني قدراته خلال السنوات الأخيرة عبر تحديث معداته واقتناء طائرات مسيّرة وأنظمة مراقبة متطورة تتناسب مع طبيعة البيئة الصحراوية، ما ساهم في رفع مستوى الجاهزية وتحسين القدرة على مراقبة الحدود الشاسعة.

ويؤكد مراقبون أن هذه المقاربة ساعدت موريتانيا على تجنب السيناريوهات الأمنية التي شهدتها دول مجاورة، حيث لم تسجل البلاد أي هجوم إرهابي كبير منذ عام 2011، رغم تصاعد وتيرة العنف في منطقة الساحل.

المجتمع والدين في مواجهة التطرف
ولا تقتصر المقاربة الموريتانية على الجانب الأمني، إذ تعتمد كذلك على مواجهة الفكر المتطرف عبر أدوات دينية واجتماعية. 

ووفق التقرير، شددت السلطات الرقابة على الخطاب الديني داخل المساجد، وأطلقت برامج حوار مع سجناء متشددين بإشراف علماء دين، بهدف تفكيك الأفكار المتطرفة وتعزيز خطاب الاعتدال.

من جانبه، قال أحمد طالب ولد المعلوم، رئيس نقابة الصحفيين الموريتانيين، إن بلاده تعرضت بين عامي 2005 و2011 لسلسلة من الهجمات الإرهابية استهدفت مواقع عسكرية وسياحية ودبلوماسية، إلا أن إعادة هيكلة المنظومة الأمنية وتطوير أجهزة الاستخبارات وتحديث المؤسسة العسكرية ساهمت في استعادة السيطرة على الوضع الأمني ومنع تكرار تلك الهجمات.

كما لعبت البنية الاجتماعية للمجتمع الموريتاني دورًا مهمًا في الحد من انتشار التطرف، إذ تجعل الروابط القبلية والاجتماعية القوية من الصعب على العناصر المتشددة التسلل أو التحرك بعيدًا عن أنظار المجتمع.

هواجس التطورات في مالي
ويرى الباحث الموريتاني ديدي ولد السالك أن الجماعات المتشددة لم تنجح في إيجاد قاعدة اجتماعية حقيقية داخل البلاد، مشيرًا إلى أن التقاليد الدينية المحلية القائمة على الاعتدال والتصوف أسهمت في الحد من انتشار الخطابات المتشددة مقارنة ببعض دول الساحل الأخرى.

وفي الوقت نفسه، تواصل موريتانيا تعزيز تعاونها الأمني مع شركائها الدوليين في مجالات التدريب العسكري وتبادل المعلومات الاستخباراتية ومراقبة الحدود. 

إلا أن التحدي الأكبر، بحسب مراقبين، يبقى مرتبطًا بتطورات الأزمة في مالي، حيث يمكن أن يؤدي تدهور الأوضاع الأمنية إلى زيادة الضغوط على المناطق الحدودية الموريتانية.

وخلص تقرير المجلة الفرنسية الى القول إن التجربة الموريتانية تستند إلى مزيج من اليقظة الأمنية والعمل الاستخباراتي والتحصين الفكري والتماسك الاجتماعي. 

وبينما تبقى المخاطر قائمة في منطقة الساحل، نجحت نواكشوط حتى الآن في الحفاظ على استقرارها ومنع الجماعات المتطرفة من إيجاد موطئ قدم دائم داخل أراضيها، ما يجعلها واحدة من أبرز التجارب الأمنية في المنطقة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى