آب… عندما يُقتل الوطن مرتين

بقلم : د. ليون سيوفي

باحث وكاتب سياسي

الرابع من آب ليس مجرد تاريخ في الروزنامة اللبنانية، بل جرحٌ مفتوح في ضمير وطنٍ بأكمله. ففي لحظاتٍ معدودة، تحولت بيروت إلى مدينة منكوبة، وسقط مئات الشهداء وآلاف الجرحى، وتشردت عائلات، وضاعت أحلام، وانهارت أحياء كانت تختصر تاريخ العاصمة وحضارتها.

لكن المأساة لم تكن في الانفجار وحده، بل في ما تلاه. فبعد سنوات، ما زال اللبنانيون ينتظرون الحقيقة الكاملة. وما زالت العدالة تتعثر بين التجاذبات السياسية والضغوط، فيما يبقى حق الضحايا وعائلاتهم في معرفة الحقيقة حقًا لا يسقط بالتقادم.

أيها اللبنانيون…

لا تسمحوا بأن يتحول الرابع من آب إلى مجرد ذكرى سنوية، أو مناسبة لوضع أكاليل الزهور وإلقاء الخطب. فالأوطان لا تُبنى بالنسيان، بل بالمحاسبة، ولا تستقيم الدول إذا بقيت الجرائم الكبرى بلا حقيقة واضحة وبلا مسؤولية.

إن دماء الأبرياء ليست ملكًا لعائلاتهم وحدها، بل هي أمانة في أعناق كل اللبنانيين. والعدالة ليست مطلبًا لفئة أو منطقة، بل هي الضمانة الوحيدة لكي لا تتكرر المأساة في أي مدينة أو قرية أو بيت لبناني.

إن لبنان لن ينهض ما دام الإفلات من العقاب هو القاعدة، وما دام المواطن يشعر أن الحقيقة يمكن أن تضيع، وأن المسؤولية يمكن أن تتبخر، وأن الزمن كفيل بطمس الذاكرة.

رسالتي إلى الشعب اللبناني هي أن تتمسكوا بالحقيقة مهما طال الزمن، وأن ترفضوا تحويل المأساة إلى مادة للانقسام أو الاستثمار السياسي. فالحقيقة يجب أن تكون فوق الجميع، والعدالة يجب أن تشمل الجميع، لأن الشهداء لم يسألوا عن طائفة أو حزب أو منطقة قبل أن يسقطوا.

رحم الله شهداء الرابع من آب، وشفى الجرحى، وألهم ذويهم الصبر. وستبقى الحقيقة مطلبًا وطنيًا لا يسقط بالتقادم، لأن الأمم التي تنسى مآسيها محكومة بأن تعيشها من جديد.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى