التعصب الكروي.. آفة تهدد الرياضة وتستنزف المجتمع

بقلم: حسين سالم

لم تكن كرة القدم يومًا مجرد لعبة، بل كانت دائمًا وسيلة لتوحيد الشعوب وصناعة الفرح. وفي مصر، جسّد هذا المعنى بوضوح المنتخب الوطني بقيادة الراحل الكابتن محمود الجوهري، عندما نجح في قيادة الفراعنة إلى كأس العالم بإيطاليا عام 1990 بعد غياب طويل. آنذاك، اختفت الانتماءات الضيقة، وتوحدت جماهير الأهلي والزمالك والإسماعيلي والاتحاد والمصري خلف علم مصر، وأصبحت المدرجات عنوانًا للوحدة الوطنية قبل أن تكون ساحة للتشجيع.

حسين سالم

لكن مع مرور السنوات، تبدلت الصورة بصورة مؤلمة. عاد التعصب الكروي أكثر حدة، وتحول في بعض الأحيان من منافسة رياضية إلى حالة من الاحتقان والكراهية، تجاوزت حدود الملاعب إلى مواقع التواصل الاجتماعي، بل ووصلت أحيانًا إلى اشتباكات وأعمال عنف لا تمت للرياضة بصلة.

ورغم هذا المشهد القاتم، لا تزال هناك مؤشرات تبعث على الأمل. فقد قدمت جماهير الأهلي والزمالك نموذجًا حضاريًا عندما أحيت ذكرى شهداء بورسعيد وشهداء الدفاع الجوي، كلٌ في الدقيقة التي ترمز إلى عدد الضحايا، بإضاءة هواتفهم المحمولة. كانت رسالة إنسانية أكدت أن الروح الرياضية لا تزال موجودة، وأن الجماهير قادرة على تجاوز الخلافات عندما تنتصر للقيم الإنسانية.

غير أن المسؤولية لا تقع على الجماهير وحدها، فبعض وسائل الإعلام الرياضي ومنصات التواصل الاجتماعي تتحمل جانبًا كبيرًا من الأزمة. فبدلاً من تهدئة الأجواء، تحولت بعض البرامج إلى ساحات لتبادل الاتهامات وإثارة الجدل، وأصبح البحث عن نسب المشاهدة أحيانًا أهم من الحفاظ على أخلاقيات المهنة. كما ساهمت بعض الصفحات التي تحمل أسماء نجوم سابقين في تأجيج الخلافات، عبر تحليلات منحازة وخطابات تستهدف إثارة الجماهير لا توعيتها.

والأخطر من ذلك، أن هذا المناخ انعكس على المنتخب الوطني نفسه. فقد وصلت حالة الاحتقان لدى البعض إلى الدعوة لمقاطعة تشجيع منتخب مصر في كأس العالم اعتراضًا على اختيارات الجهاز الفني بقيادة الكابتن حسام حسن. وهذا أمر مرفوض، لأن المنتخب يمثل الوطن بأكمله، وليس ناديًا أو فئة بعينها. قد نختلف حول اختيارات المدرب أو أسلوب اللعب، لكن لا ينبغي أن يتحول هذا الاختلاف إلى موقف ضد منتخب يحمل اسم مصر.

إن مواجهة التعصب تحتاج إلى خطة متكاملة، تبدأ بإعلام رياضي مسؤول يرسخ ثقافة الاحترام، وتطبيق لوائح صارمة ضد كل من يروج للكراهية أو يحرض على العنف، مع إلزام المحللين والنقاد بالالتزام بالمعايير المهنية، بعيدًا عن الإساءة للاعبين أو التشكيك في قدراتهم، خاصة عندما يرتدون قميص المنتخب الوطني.

كما أن الأسرة والمدرسة والأندية الرياضية تتحمل مسؤولية كبيرة في غرس قيم المنافسة الشريفة لدى الأجيال الجديدة، وتعليمهم أن الفوز والخسارة جزء من طبيعة الرياضة، وأن احترام المنافس لا يقل أهمية عن الاحتفال بالانتصار.

في النهاية، تبقى كرة القدم رسالة محبة قبل أن تكون منافسة، وجسرًا للتقارب لا سببًا للفرقة. ومن حق كل مشجع أن يعشق ناديه ويدافع عنه، لكن دون إساءة أو كراهية أو تعصب. فحين يتحول التشجيع إلى خصومة، تخسر الرياضة رسالتها، ويخسر المجتمع إحدى أهم وسائل نشر الفرح والانتماء.

فلنجعل المدرجات مكانًا للهتاف والتشجيع… لا ساحة للعداء. ولنجعل شعارنا دائمًا: الكورة تجمعنا… ولا تفرقنا.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى