✍🏻 خالد رويحة : بين هرمز ولبنان.. هل انتهت الحرب أم بدأت مرحلة جديدة أكثر تعقيداً؟

بين هرمز ولبنان.. هل انتهت الحرب أم بدأت مرحلة جديدة أكثر تعقيداً؟ 

في الشرق الأوسط لا تنتهي الحروب عندما تتوقف المدافع، بل تبدأ مرحلة أخرى أكثر ضجيجاً وأشد خطورة. مرحلة تُدار فيها المعارك خلف الأبواب المغلقة، وعلى طاولات التفاوض، وفي دهاليز السياسة الدولية، حيث تتحول البنادق إلى أوراق، والصواريخ إلى بنود، والمضائق البحرية إلى أدوات ضغط ترسم خرائط النفوذ المقبلة.

المشهد اليوم يبدو للوهلة الأولى وكأنه يتجه نحو التهدئة. مذكرة تفاهم بين واشنطن وطهران، حديث عن رفع تدريجي للعقوبات، أموال مجمدة ستعود إلى إيران، ووعود بفتح الطرق التجارية وإعادة الاستقرار إلى أسواق الطاقة العالمية.

لكن خلف هذه الصورة الهادئة ظاهرياً تختبئ أسئلة ضخمة.

هل نحن أمام سلام حقيقي؟

أم أمام هدنة مؤقتة تلتقط فيها الأطراف أنفاسها قبل جولة جديدة من الصراع؟

المفارقة أن البنود التي يفترض أن تصنع السلام هي نفسها القضايا القادرة على إشعال مواجهة جديدة في أي لحظة.

ملف اليورانيوم المخصب ما زال معلقاً.

ملف العقوبات لم يغلق بعد.

مضيق هرمز لم يعد كما كان قبل الحرب.

في تل أبيب تبدو علامات القلق أكثر وضوحاً من أي وقت مضى. فهناك شعور متزايد بأن أي تفاهم أمريكي إيراني طويل الأمد سيعني تراجعاً في احتمالات المواجهة العسكرية المباشرة بين واشنطن وطهران، وهو ما تعتبره دوائر إسرائيلية تحولاً استراتيجياً يغير قواعد اللعبة التي اعتادت عليها المنطقة طوال عقود.

أما في طهران، فالصورة مختلفة تماماً.

هناك من يرى أن إيران خرجت من المواجهة الأخيرة وهي أكثر قدرة على فرض شروطها السياسية مما كانت عليه قبل الحرب. فبدلاً من الحديث عن إسقاط النظام أو تفكيك القدرات العسكرية، انتقل النقاش إلى العقوبات والأموال المجمدة والممرات البحرية ومستقبل العلاقات الإقليمية.

لهذا لا تبدو القيادة الإيرانية مستعجلة للتخلي عن أوراق القوة التي راكمتها.

وأهم تلك الأوراق يبقى مضيق هرمز، ذلك الشريان البحري الذي تمر عبره نسبة ضخمة من تجارة الطاقة العالمية، والذي تحول من ممر ملاحي إلى عنوان سياسي واستراتيجي في أي تفاوض مقبل.

لكن اللافت أن توقيع مذكرة التفاهم لم يرافقه تراجع أمريكي عن أدوات الضغط في الساحات الإقليمية المرتبطة بإيران.

فبالتزامن مع الحديث عن الاتفاق، أعلنت واشنطن حزمة عقوبات جديدة استهدفت شخصيات وجهات مرتبطة بحزب الله في لبنان وشبكات مالية مرتبطة به في عدة دول في المنطقة.

وهذا التطور يوحي بأن الولايات المتحدة تفصل بين مسار التفاهم مع طهران وبين ملفات النفوذ الإقليمي، ما يعني أن مرحلة ما بعد الاتفاق قد لا تكون نهاية للصراع بقدر ما هي انتقال من المواجهة المباشرة إلى معركة الضغوط السياسية والاقتصادية.

وهذا يضع الساحة اللبنانية في قلب المرحلة المقبلة، باعتبارها واحدة من أكثر الملفات حساسية وتأثراً بتوازنات ما بعد الاتفاق.

أما سوريا، فتبدو اليوم خارج الحسابات التقليدية التي اعتادت المنطقة رؤيتها خلال سنوات الحرب الماضية.

فالحكومة السورية الجديدة تدرك أن أي انخراط مباشر في صراع إقليمي جديد سيعيد البلاد إلى نقطة الصفر بعد سنوات طويلة من الاستنزاف. لذلك يظهر الموقف السوري أقرب إلى التركيز على إعادة البناء والاستقرار الداخلي من الانجرار نحو مواجهات مفتوحة على الحدود أو داخل الساحات المجاورة.

ولهذا فإن الرهانات على دفع دمشق نحو مواجهة مع حزب الله أو إدخال الجيش السوري في معادلات الصراع اللبناني تبدو أكثر تعقيداً مما يتخيله البعض.

فأي خطوة من هذا النوع لا تعني فقط فتح جبهة جديدة، بل تعني احتمال جر المنطقة إلى سلسلة تفاعلات متشابكة تمتد من لبنان إلى سوريا والعراق وربما إلى ما هو أبعد من ذلك.

في جنوب لبنان، تبدو الصورة أكثر حساسية.

إسرائيل لا تخفي رغبتها في فرض واقع أمني جديد على الحدود الشمالية، لكنها في المقابل تواجه معادلة مختلفة عما كان قائماً قبل سنوات.

فالحرب الأخيرة لم تُنتج حلاً نهائياً، بل أنتجت توازناً هشاً قائماً على الردع المتبادل.

ولهذا فإن أي محاولة لفرض منطقة عازلة أو إبقاء قوات الاحتلال داخل أراضٍ لبنانية ستبقى مصدر توتر دائم وقابلة لإشعال المواجهة من جديد.

في المقابل يتمسك الواقع القائم بمعادلة تقوم على أن أي وجود إسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية يجب أن ينتهي، وأن مرحلة ما بعد الحرب لا يمكن أن تتحول إلى تثبيت مكاسب ميدانية مفروضة بالقوة.

ومن هنا يمكن فهم سبب استمرار التوتر رغم الحديث عن تفاهمات واتفاقات وتهدئة.

فالمشكلة الأساسية ليست في وقف إطلاق النار، بل في تعريف ما بعد وقف إطلاق النار.

هل هو انسحاب كامل وعودة إلى الحدود الدولية؟

أم واقع أمني جديد تحاول إسرائيل فرضه؟

هذا السؤال وحده كفيل بإبقاء الجنوب اللبناني نقطة اشتعال محتملة خلال المرحلة المقبلة.

وفي الوقت نفسه تتجه الأنظار نحو سوريا والعراق وتركيا.

ليس لأن الحرب هناك وشيكة، بل لأن الجميع يدرك أن أي محاولة لدفع المنطقة نحو صراعات داخلية أو طائفية جديدة ستكون بمثابة إشعال حريق هائل يصعب السيطرة عليه.

التجارب السابقة تركت ندوباً عميقة في جسد المنطقة.

والدول التي دفعت أثمان الفوضى خلال العقد الماضي أصبحت أكثر حساسية تجاه أي مشاريع قد تعيد إنتاج تلك الكوارث من جديد.

ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن تواجهه المنطقة ليس الحرب بين الدول، بل الحروب داخل الدول.

فالتاريخ أثبت أن النزاعات الداخلية لا تترك منتصرين.

تترك فقط مدناً مدمرة وشعوباً منهكة وأجيالاً تدفع الثمن لعقود طويلة.

ومن هنا يمكن فهم السبب الذي يجعل كثيراً من العواصم الإقليمية تتعامل بحذر شديد مع المرحلة المقبلة.

فالاتفاقات قد تُوقع.

والعقوبات قد تُرفع.

والأموال قد تُفرج عنها.

لكن بناء الاستقرار الحقيقي يحتاج إلى ما هو أكثر من التوقيعات.

يحتاج إلى إرادة سياسية تمنع العودة إلى منطق الحروب المفتوحة.

اليوم تقف المنطقة أمام مفترق طرق حقيقي.

إما أن تتحول التفاهمات الحالية إلى بداية مرحلة جديدة من التوازن والاستقرار.

وإما أن تبقى مجرد استراحة قصيرة بين معركتين.

فالشرق الأوسط علّم العالم مراراً أن الهدوء الظاهر لا يعني انتهاء العاصفة.

وأحياناً يكون أخطر ما في العاصفة أنها لا تُرى إلا بعد أن تبدأ

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى