تعقيب د. ليون سيوفي على ما ورد فى مقال الصفقة الغامضة وردّ Arab Telegraph

جاءني من الباحث والكاتب السياسي الدكتور ليون سيوفي هذا التعقيب على ما نشرته صحيفة Arab Telegraph للكاتب والباحث السياسي على خليل تحت عنوان:

«من ربح الصفقة؟ أسرار الاتفاق الإيراني الأمريكي وما لا يُقال خلف الأبواب المغلقة».

ولأن قيمة أي مقال تحليلي لا تُقاس فقط بما يطرحه من أفكار، بل أيضاً بقدرته على إثارة النقاش الجاد واحترام الرأي الآخر، فإنني أنشر هذا التعقيب بكل تقدير، خاصة أنه يميز بوضوح بين حدود الخبر المؤكد ومساحة التحليل السياسي والاستشراف.

وأرى أن الدكتور ليون قد أصاب في تأكيده أن جزءاً مهماً مما ورد في المقال يندرج ضمن القراءة السياسية للمؤشرات والمعطيات المتاحة، وليس في إطار الوقائع التي أعلنتها الأطراف الرسمية بصورة قاطعة. غير أن ذلك لا ينتقص من أهمية التحليل، فالتاريخ السياسي كثيراً ما كُتب بين سطور الوقائع، قبل أن تكشف الوثائق لاحقاً ما كان يدور خلف الأبواب المغلقة.

وفيما يلي نص التعقيب،  من د. ليون سيوفي الباحث والكاتب سياسي ومرشح لرئاسة الجمهورية اللبنانية

يعقبه توضيح من Arab Telegraph لبعض النقاط التي تستحق مزيداً من الإضاءة والنقاش.

يقول د ليون :

بعد قراءة مضمون المقال، أرى أن فيه نقاطاً قوية وأخرى تحتاج إلى كثير من الحذر.

أولاً: أين تكمن قوة المقال؟

المقال ينطلق من فكرة واقعية مفادها أن العلاقات الأمريكية–الإيرانية لم تكن يوماً علاقة حرب مطلقة أو سلام مطلق، بل مزيج من الصراع والتفاوض والرسائل المتبادلة. كما أن الكاتب محق عندما يفترض أن أي تفاهم بين واشنطن وطهران لا بد أن يترك انعكاسات على ملفات المنطقة، ومنها لبنان والعراق والخليج.

كذلك فإن طرحه لفكرة أن كل طرف سيحاول تسويق أي اتفاق على أنه “انتصار” يحمل قدراً من الواقعية السياسية، لأن هذا يحدث غالباً في المفاوضات الكبرى.

ثانياً: أين تكمن نقاط الضعف؟

المشكلة الأساسية أن المقال يفترض وجود “صفقة شبه مكتملة” خلف الأبواب المغلقة، لكنه لا يقدم أدلة أو وثائق أو تصريحات رسمية تثبت ذلك.

بمعنى آخر، الكاتب يبني استنتاجات واسعة على فرضيات سياسية. وهذا أمر مشروع في المقالات التحليلية، لكنه لا يجعل الاستنتاجات حقائق مؤكدة.

فمثلاً:

* هل يوجد اتفاق أمريكي–إيراني شامل؟
* هل حُسم مصير النفوذ الإيراني في المنطقة؟
* هل جرى الاتفاق على لبنان أو حزب الله أو العراق؟

كل هذه الأسئلة لا توجد حتى الآن معلومات علنية حاسمة تجيب عنها بشكل قاطع. لذلك يبقى جزء كبير من المقال في إطار التحليل لا الخبر.

ثالثاً: ماذا عن السؤال الأهم: من ربح؟

برأيي السياسي، عندما يجلس خصمان كبيران إلى طاولة التفاوض بعد سنوات من المواجهة، فهذا يعني غالباً أن أياً منهما لم يستطع فرض شروطه بالكامل على الآخر.

لو كانت واشنطن قادرة على فرض استسلام كامل لما احتاجت إلى التفاوض.
ولو كانت طهران قادرة على تجاهل الضغوط بالكامل لما احتاجت إلى التفاوض أيضاً.

لذلك فإن الحديث عن “منتصر مطلق” و”مهزوم مطلق” يبدو مبالغاً فيه.

رابعاً: ماذا عن لبنان؟

هنا أعتقد أن المقال يلامس نقطة حساسة جداً.

فأي تفاهم أمريكي–إيراني، إذا حصل، لن يكون هدفه لبنان بحد ذاته، بل سيكون لبنان جزءاً من سلّة إقليمية أوسع تشمل الأمن الإقليمي، الطاقة، الملاحة، العقوبات، والملف النووي. ولهذا السبب يخشى كثير من اللبنانيين أن يصبح بلدهم ورقة تفاوض بدلاً من أن يكون صاحب قرار مستقل

توضيح من Arab Telegraph لبعض النقاط التي تستحق مزيداً من الإضاءة والنقاش.

أشكر القارئ الكريم د. ليون سيوفي الباحث والكاتب سياسي ومرشح لرئاسة الجمهورية اللبنانية ..

على هذا التعليق المتزن، وأتفق معه في جزء كبير مما طرحه. فالمقال لم يكن يهدف إلى تقديم معلومات مؤكدة أو الكشف عن وثائق سرية، وإنما محاولة قراءة المشهد السياسي واستشراف ما قد تؤول إليه التطورات استنادًا إلى المعطيات المتاحة وتجارب سابقة في إدارة العلاقة الأمريكية الإيرانية.

صحيح أنه لا توجد حتى الآن أدلة علنية تثبت وجود “صفقة مكتملة” تعيد رسم المنطقة، كما أنه لا توجد تصريحات رسمية تحسم مصير ملفات لبنان أو حزب الله أو النفوذ الإيراني في العراق واليمن. ولهذا حرص المقال على استخدام تعبيرات مثل “السيناريو المرجح” و”الاحتمال الأقرب” و”قد يكون”، باعتبار أن التحليل السياسي يختلف بطبيعته عن الخبر المجرد.

لكن في المقابل، فإن السياسة لا تُقرأ فقط من خلال البيانات الرسمية، بل من خلال ربط الوقائع، ومتابعة حركة الأطراف، وفهم المصالح المتبادلة. وكثير من التحولات الكبرى في المنطقة لم تُكشف تفاصيلها إلا بعد سنوات من حدوثها.

أما عن سؤال: من ربح؟ فأميل إلى الرأي القائل إن مجرد جلوس الخصمين إلى طاولة التفاوض يعني أن كلاً منهما أدرك حدود قدرته على فرض إرادته كاملة. فلا واشنطن استطاعت انتزاع استسلام إيراني، ولا طهران تمكنت من تجاهل الضغوط والعقوبات إلى ما لا نهاية. لذلك فإن الحديث عن نصر مطلق أو هزيمة مطلقة يبقى أقرب إلى الخطاب الدعائي منه إلى القراءة السياسية الهادئة.

وفي ما يتعلق بلبنان، فإن الخشية الحقيقية ليست أن يكون هدف الاتفاق، بل أن يتحول مرة أخرى إلى جزء من سلّة تفاوض إقليمية أوسع، وهو ما يدفع اللبنانيين، ومعهم شعوب المنطقة، إلى التساؤل الدائم: متى تصبح الدول صاحبة قرارها، لا مجرد أوراق على طاولات الآخرين؟

 

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى