لبنان بين السلاح والحياد… الدولة أولاً

د. ليون سيوفي

باحث وكاتب سياسي

في كل مرة يُطرح فيها شعار «بيروت منزوعة السلاح»، ينقسم اللبنانيون بين مؤيد ومعارض، وبين من يراه مدخلاً لبناء الدولة ومن يعتبره خطوة تسبق توفير البديل القادر على حماية الوطن. لكن بعيداً عن الشعارات والانفعالات، يبقى السؤال الحقيقي: ماذا يحتاج لبنان فعلاً؟

إن أي دولة في العالم لا يمكن أن تقوم على تعدد مراكز القرار العسكري والأمني، كما لا يمكن أن تحافظ على سيادتها إذا كانت عاجزة عن حماية حدودها وأرضها وشعبها. ومن هنا فإن الحديث عن حصر السلاح بيد الدولة يجب أن يترافق حكماً مع بناء دولة قوية وجيش قوي يمتلك الإمكانات الكافية للقيام بهذه المهمة.

فالجيش اللبناني أثبت على مدى عقود أنه المؤسسة الوطنية الجامعة التي تحظى بثقة غالبية اللبنانيين، لكنه لا يزال يعاني من نقص كبير في التجهيز والتسليح مقارنة بحجم التحديات المفروضة عليه. لذلك فإن مطالبة الجيش بتحمل كامل المسؤولية الدفاعية تقتضي أولاً منحه الوسائل التي تمكّنه من أداء هذا الدور.

وفي المقابل، لا يمكن تجاهل حقيقة أخرى تتمثل باستمرار الصراع مع إسرائيل، وما يرافقه من اعتداءات وخروقات وتدمير إجرامي واحتلال للضيع والمدن ولا ننسى الـنزاعات الحدودية. فالدول لا تُجرد نفسها من عناصر القوة فيما الأخطار المحيطة بها لا تزال قائمة. لذلك فإن أي نقاش جدي حول مستقبل السلاح في لبنان يجب أن يكون جزءاً من رؤية وطنية شاملة تعالج أسباب وجوده كما تعالج نتائجه.

لكن المشكلة اللبنانية لا تقتصر على السلاح وحده. فلبنان عانى طوال عقود من تحوله إلى ساحة تتصارع فوقها القوى الإقليمية والدولية. وكلما اشتد النزاع بين المحاور، دفع اللبنانيون الثمن من استقرارهم واقتصادهم ومستقبل أبنائهم.

من هنا يبرز خيار الحياد كأحد الطروحات التي تستحق النقاش الجدي. فالحياد لا يعني التخلي عن الحقوق الوطنية ولا الاستسلام للأمر الواقع، بل يعني أن يكون القرار اللبناني مستقلاً، وأن يمتنع لبنان عن الانخراط في صراعات الآخرين، وأن يرفض في الوقت نفسه أن تتحول أراضيه إلى منصة تستخدمها أي جهة لتحقيق مصالحها الخاصة.

إن اللبنانيين لا يريدون أن يكون وطنهم تابعاً لأي مشروع خارجي، مهما كان مصدره أو شعاراته. كما أنهم لا يريدون أن يبقى بلدهم مكشوفاً أمام الاعتداءات والتهديدات. ولذلك فإن الطريق إلى المستقبل لا يمر عبر الانقسام بين فريق يدعو إلى السلاح وفريق يدعو إلى نزعه، بل عبر بناء دولة قادرة على فرض سيادتها الكاملة على جميع أراضيها وحدودها ومؤسساتها.

إن لبنان بحاجة إلى جيش قوي، ودولة عادلة، واقتصاد منتج، وقضاء مستقل، وسياسة خارجية متوازنة تحمي مصالحه الوطنية. وبحاجة أيضاً إلى توافق وطني يعيد تعريف الأولويات بعيداً عن منطق المحاور والاستقطابات.

فالسيادة الحقيقية ليست شعاراً يُرفع في الخطابات، بل قدرة فعلية على اتخاذ القرار الوطني بحرية، والدفاع عنه بإمكانات الدولة وحدها. وعندما تصبح الدولة قوية بما يكفي، يصبح النقاش حول كل الملفات الأخرى أسهل وأكثر واقعية.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى