واشنطن ليست نهاية الطريق… بل بداية الاختبار الحقيقي

بقلم :  د. ليون سيوفي

باحث وكاتب سياسي

عاد رئيس الجمهورية من واشنطن محاطًا باهتمام سياسي وإعلامي كبير، لكن السؤال الذي يشغل اللبنانيين ليس كيف كان الاستقبال، بل ماذا سيعود على لبنان من هذه الزيارة؟

في السياسة، لا تُقاس قيمة الزيارات بعدد الكاميرات ولا بحفاوة الاستقبال، بل بما تُحدثه من تغيير في حياة الناس وفي موقع الدولة. أما الصور، فتبقى لحظة عابرة، بينما النتائج وحدها هي التي تصنع التاريخ.

لقد وضعت واشنطن أمام لبنان مجموعة من الملفات الحساسة: دعم الجيش، واستكمال بسط سلطة الدولة، والانسحاب الإسرائيلي، والإصلاحات الاقتصادية، إضافة إلى قضية السلاح خارج إطار مؤسسات الدولة. وكل ملف من هذه الملفات يحمل تعقيدات داخلية وإقليمية لا يمكن تجاوزها بسهولة.

وهنا يبدأ الامتحان الحقيقي.

فهل يستطيع العهد تحويل الدعم الدولي إلى مشروع وطني جامع؟ وهل تتمكن الدولة من فرض هيبتها بالقانون والمؤسسات، من دون أن يتحول لبنان مرة جديدة إلى ساحة صراع بين القوى الإقليمية والدولية؟

إن أخطر ما يمكن أن يقع فيه اللبنانيون هو الانقسام بين من يعتبر الزيارة انتصارًا كاملًا، ومن يصفها بالفشل المطلق. فالتاريخ لا يُكتب في يوم واحد، والنجاح أو الإخفاق يُقاسان بما يتحقق على الأرض.

إذا أسهمت هذه الزيارة في استعادة ما تبقى من الأراضي المحتلة، وتعزيز دور الجيش، وإطلاق إصلاحات حقيقية، فإنها ستُعد محطة مفصلية في مسار الدولة.

أما إذا بقيت الوعود معلقة، واستمرت الأزمات كما هي، فسيكتشف اللبنانيون أن المشكلة لم تكن يومًا في الزيارات، بل في عجز الدولة عن تحويل الفرص إلى إنجازات.

لبنان لا يحتاج إلى انتصارات إعلامية، بل إلى انتصار الدولة على الفساد، وانتصار القانون على الاستنسابية، وانتصار المصلحة الوطنية على الاصطفافات الخارجية.

لقد دفع اللبنانيون أثمانًا باهظة بسبب الارتهان للمحاور، وبسبب الانقسامات التي جعلت القرار الوطني عرضة للتجاذبات. لذلك، فإن المعيار الذي ينبغي أن يحكم أي خطوة سياسية هو: هل تعزز استقلال القرار اللبناني وسيادة الدولة، أم تزيد من تبعية لبنان لأي طرف خارجي؟

إن مستقبل لبنان لن يصنعه لقاء واحد، مهما بلغت أهميته، بل تصنعه إرادة سياسية قادرة على بناء دولة سيدة، حرة، قوية، تكون مرجعيتها الدستور والقانون وحدهما.

فالرهان الحقيقي ليس على واشنطن، ولا على أي عاصمة أخرى، بل على قدرة اللبنانيين أنفسهم على استعادة دولتهم، وصون سيادتها، وإعادة الثقة بمؤسساتها.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى