حين يصبح الدواء مهنة.. ويصبح الوجع تجارة

✍🏻 خالد رويحة

| 𝒦𝒽𝒶𝓁𝒾𝒹 𝑅𝑜𝓊𝒾𝒽𝒶

خرجت من باب المستشفى مثقلًا بما يكفي من القلق لأحمل جبلًا فوق كتفي. كانت ابنتي ترقد على سرير المرض، بينما كنت أنا أطارد العلاج بين الصيدليات كما يطارد الغريق خشبة نجاة وسط بحر هائج.

دخلت الصيدلية الأولى فاستقبلتني الأرقام قبل أن يستقبلني البشر. نظرت إلى الفاتورة، ثم خرجت. دخلت الثانية، فوجدت الدواء نفسه وقد ارتدى سعرًا آخر. أما الثالثة فقد كانت أكثر إبداعًا في لعبة الأوجاع، تخفض هذا لترفع ذاك، وترفع ذاك لتخفض هذا، حتى خُيّل إليّ أنني لا أتجول بين صيدليات، بل بين غرف قمار يتراهن أصحابها على قدرة المرضى على الاحتمال.

كنت أراقب المشهد بصمت، وكل خطوة تكشف لي طبقة جديدة من العبث. هنا لا يُقاس الدواء بتركيبته الكيميائية، بل بحجم المصيبة التي يحملها المشتري في عينيه. فإذا رأوا القلق في وجهك ارتفع السعر، وإذا رأوا الاستعجال تضخمت الأرقام، وإذا شعروا أن خلفك مريضًا ينتظر جرعته الأخيرة، تحول الدواء إلى مزاد مفتوح لا سقف له.

في هذه الأيام التي أتنقل فيها بين المستشفى والصيدليات، شعرت أن بعض هؤلاء لم يعودوا يبيعون علاجًا، بل يبيعون الوقت نفسه. يبيعون نبضات قلب أم تنتظر شفاء طفلها. يبيعون دموع أب يحسب ما تبقى في جيبه ويخشى أن تنفد النقود قبل أن ينفد الألم. يبيعون الخوف، والرجاء، والانكسار، وكل ما يمر بقلب الإنسان حين يقف عاجزًا أمام مرض من يحب.

العجيب أن اللافتات مختلفة، والأسماء مختلفة، والواجهات مختلفة، لكن الروح واحدة. كأنهم اجتمعوا في ليلة سرية خلف ستار الجشع، ثم اقتسموا الأدوار بينهم. هذا يتولى نهب هذا الصنف، وذاك يتكفل بالصنف الآخر، والثالث يحرس بقية الغنائم. أما المريض، فهو الضيف الوحيد الذي يدفع ثمن الاجتماع كاملًا.

أي زمن هذا الذي أصبح فيه الدواء سلعة للمساومة. أي زمن هذا الذي يقف فيه المريض بين خيارين: أن يشتري العلاج أو يحتفظ بما بقي من قوت أطفاله. أي زمن هذا الذي تحولت فيه الصيدلية، التي يفترض أن تكون محطة رحمة، إلى محطة جباية تفتش في جيوب المنهكين قبل أن تمد لهم علبة الدواء.

لقد رأيت خلال الأيام الماضية شيئًا أخطر من المرض نفسه. رأيت كيف يمكن للجشع أن يخلع قلب الإنسان ويضع مكانه آلة حاسبة. آلة لا تسمع أنين المرضى، ولا ترى وجوه الأمهات، ولا تفهم معنى أن يكون خلف كل وصفة طبية قصة خوف ومعركة بقاء.

المرض ابتلاء من الله، أما تحويل المرض إلى فرصة للاغتناء فهو سقوط أخلاقي مدوٍّ. وحين يصبح وجع الناس مصدر أرباح، فإن المشكلة لا تعود في الأسعار وحدها، بل في الضمائر التي ماتت واقفة وما زالت تمارس أعمالها كأن شيئًا لم يحدث.

وحتى الآن، ما زلت أتنقل بين الصيدليات حاملًا وصفة علاج في يدي، وأسئلة كثيرة في رأسي. أبحث عن دواء لمريض، فأجد نفسي في كل مرة أمام مرض آخر أكثر خطورة. مرض لا يظهر في الأشعة ولا تكشفه المختبرات، لأنه يسكن النفوس التي اعتادت أن ترى في آلام الناس فرصة، وفي حاجاتهم غنيمة، وفي عجزهم بابًا مفتوحًا للربح بلا رحمة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى