بين التضييق والإفلاس.. الإعلام التونسي على حافة الانهيار

تونس – عرب تليجراف:
علمت عرب تليجراف من مصادر إعلامية في تونس، أن إعلان قناة “تلفزة تي في” الخاصة تعليق بثها لم يكن مجرد خلاف مالي عابر، بل كان الشرارة التي فجرت أزمة عميقة ومسكوت عنها تضرب قطاع الإعلام التونسي منذ سنوات، تهدد بانهياره الكامل.
القناة التي يملكها رجل الأعمال زهير اللطيف، نشرت رسالة على شاشتها السوداء قالت فيها: “تواصل الضغوط والممارسات من قبل الديوان الوطني للإرسال، وتم تعليق البث بسبب غياب أي تجاوب فعلي من الجهات الرسمية”.
اللطيف وجه رسالته مباشرة إلى الرئيس قيس سعيّد ورئيسة الحكومة ووزيرة المالية والبرلمان، في خطوة اعتبرها مراقبون صرخة استغاثة أخيرة من إعلام خاص يختنق.
ليست مجرد شاشة تنطفئ
النائب في البرلمان التونسي محمد علي علق على الأزمة بتدوينة لافتة قال فيها: “حين تنطفئ الشاشة.. أزمة الإعلام الخاص في تونس تتجاوز قناة تلفزة تي في”.
وأضاف أن ما يبدو خلافاً تقنياً بين القناة وديوان الإرسال، يكشف في العمق عن أزمة هيكلية ضربت كل الضمانات التي رافقت مرحلة ما بعد الثورة، وأبرزها:
- تجميد عمل الهايكا: الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي والبصري، التي كانت الضامن للتعددية.
- انهيار سوق الإشهار: تراجع موارد الإعلانات بنسبة كبيرة، ما دفع مؤسسات كبرى للإفلاس.
- تضييق سياسي: مناخ عام يضيق على الأجسام الوسيطة والنقابات والمؤسسات المستقلة، باعتبارها “عوائق” أمام العلاقة المباشرة بين السلطة والشعب.
المرسوم 54.. سيف على رقاب الصحفيين
النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين أصدرت بياناً شديد اللهجة استنكرت فيه تجاهل الدولة لقطاع الإعلام في مخطط التنمية 2026-2030، مؤكدة أن إصلاح الإعلام ليس ملفاً قطاعياً بل هو خيار استراتيجي للدولة.
وقال الإعلامي بسام حمدي لـ عرب تليجراف: “نعيش أزمة مزدوجة، أزمة حريات وأزمة موارد. المرسوم 54 أصبح سيفاً مسلطاً على كل صحفي، وأي كلمة قد تقودك للمحكمة”.
وبحسب نقيب الصحفيين زياد الدبار، فإن ما يقارب 30 صحفياً يخضعون حالياً لملاحقات قضائية بسبب عملهم.
تونس تتراجع عالمياً
النتيجة كانت كارثية في الأرقام. تراجعت تونس 8 مراتب في مؤشر حرية الصحافة لمنظمة مراسلون بلا حدود، من المرتبة 129 إلى 137 بين 2025 و2026، بسبب التشريعات الزجرية وبيئة العمل الخطيرة وإجبار القنوات الخاصة على بث محتوى تجاري رخيص للبقاء على قيد الحياة.
ويرى مراقبون أن استمرار هذا التجاهل الرسمي قد يحول الشاشات التونسية إلى سواد كامل، بعد أن كانت يوماً نموذجاً للحرية في العالم العربي بعد ثورة 2011.