21 ألف طفل مفقود في غزة.. من يحاسب إسرائيل؟ ومن يحاسب الصامتين؟

بقلم : على خليل
التاريخ لا يتذكر من ارتكب المأساة، بل يتذكر أيضًا من شاهدها في صمت، ومن امتلك القدرة على الفعل واكتفى بالمراقبة!!
قد تكون الحروب قاسية، لكن ما هو أقسى منها أن يصبح اختفاء آلاف الأطفال خبرًا عاديًا

في عالم يرفع شعارات حقوق الإنسان وحماية الطفولة، يقف الضمير الإنساني اليوم أمام سؤال مخيف: كيف يمكن أن يختفي عشرات الآلاف من أطفال غزة بين الأنقاض والنزوح والمقابر الجماعية ومراكز الإيواء دون أن تهتز أركان النظام الدولي؟
ليس الرقم مجرد إحصائية عابرة. وراء كل طفل مفقود اسم وصورة وأم تنتظر وخيمة تبحث عن صاحبها. وراء كل رقم قصة لم تكتمل وحلم دفن تحت الركام.
الأمم المتحدة ومنظمات الإغاثة تحدثت منذ بداية الحرب عن آلاف الأطفال المفقودين أو غير المعروف مصيرهم، سواء بسبب:
- وجودهم تحت الأنقاض وعدم انتشال جثامينهم.
- انفصالهم عن أسرهم أثناء النزوح.
- فقدان وثائق الهوية وصعوبة التعرف عليهم.
- وجود أطفال جرحى أو أيتام دون أقارب معروفين.
أما الرقم الأشهر الذي استندت إليه منظمة Save the Children في منتصف 2024 فكان تقديرًا بوجود نحو 21 ألف طفل مفقود أو غير معروف المصير في غزة، بينهم آلاف يُعتقد أنهم ما زالوا تحت الأنقاض.
الأكثر إيلامًا ليس فقط اختفاء الأطفال، بل اعتياد العالم على سماع الخبر. تمر الأرقام كما تمر نشرات الطقس. آلاف القتلى، آلاف الجرحى، آلاف المفقودين، ثم يمضي الجميع إلى أعمالهم وكأن شيئًا لم يكن.
أما العالم العربي، فيبدو وكأنه يعيش واحدة من أكثر لحظات العجز قسوة في تاريخه الحديث. بيانات شجب، اجتماعات، قمم، وتصريحات، بينما تستمر المأساة يومًا بعد يوم. والسؤال الذي يفرض نفسه: إذا كانت قضية بهذا الحجم لا تستطيع أن توحد المواقف أو تحرك الإرادات، فما هي القضية التي يمكن أن تفعل ذلك؟
التاريخ لا يتذكر فقط من ارتكب المأساة، بل يتذكر أيضًا من شاهدها في صمت، ومن امتلك القدرة على الفعل واكتفى بالمراقبة. وسيأتي يوم يسأل فيه هؤلاء الأطفال – إن عادوا – أو يسأل التاريخ نيابة عنهم: أين كان العالم حين اختفينا؟
ليس هناك رقم أكثر رعبًا من أن يقال إن آلاف الأطفال قد اختفوا. ليسوا جنودًا في ساحة قتال، ولا سياسيين في معركة سلطة، بل أطفال كانت أكبر أحلامهم أن يعودوا إلى بيوتهم ومدارسهم وألعابهم.
حين تتحدث التقارير الدولية عن آلاف الأطفال المفقودين في غزة، فإن السؤال الأول يجب أن يتجه إلى القوة التي شنت الحرب وأدارت العمليات العسكرية على الأرض: كيف وصل الوضع إلى هذه الكارثة الإنسانية؟ وكيف أصبح الأطفال بين قتيل وجريح ومفقود ومشرد؟

إسرائيل في مواجهة السؤال الأخلاقي
مهما كانت المبررات السياسية والعسكرية التي تُطرح، تبقى النتيجة أمام العالم واضحة: أعداد هائلة من الضحايا المدنيين، ودمار واسع للبنية التحتية، وأطفال فُقدوا تحت الأنقاض أو خلال موجات النزوح المتلاحقة.
السؤال الذي سيظل يطارد إسرائيل ليس فقط عدد من قُتلوا، بل عدد الذين اختفوا دون أن يعرف أحد مصيرهم. فالحروب لا تُقاس فقط بما تحققه من أهداف عسكرية، بل أيضًا بثمنها الإنساني.
العالم الذي فقد صوته
لكن المأساة لا تتوقف عند إسرائيل وحدها.
فالعالم الذي يملأ الدنيا حديثًا عن حقوق الإنسان بدا عاجزًا أو مترددًا أو صامتًا أمام واحدة من أكبر المآسي الإنسانية في القرن الحادي والعشرين.
أين المؤسسات الدولية؟
أين القوى الكبرى؟
أين الحكومات التي لا تتوقف عن الحديث عن حماية الأطفال؟
كيف يمكن للعالم أن يقبل أن يتحول آلاف الأطفال إلى أرقام في تقارير إغاثية دون تحرك يوازي حجم الكارثة؟
والعرب… السؤال الأكثر إيلامًا
أما السؤال الذي يؤلم أكثر من غيره فهو السؤال العربي.
كيف وصلت الأمة التي تضم مئات الملايين من البشر، وتمتلك ثروات هائلة وإمكانات سياسية واقتصادية ضخمة، إلى هذا المستوى من العجز؟
كيف يشاهد العرب صور الأطفال تحت الأنقاض ثم يكتفون ببيانات الإدانة والاستنكار؟
كيف أصبحت القمم والاجتماعات والبيانات بديلاً عن الفعل الحقيقي؟
ليس المطلوب إعلان الحروب، بل امتلاك إرادة سياسية وإنسانية بحجم المأساة، وتحويل الغضب الشعبي إلى مواقف عملية وضغوط دبلوماسية وإنسانية مؤثرة.
