لبنان بين نار الاعتداءات وفخّ المفاوضات…هل تتكرر التجربة الفلسطينية؟

د. ليون سيوفي
باحث وكاتب سياسي
في وقت تتزايد فيه الضغوط السياسية والأمنية على لبنان، يعود ملف المفاوضات إلى الواجهة بوصفه أحد أكثر الملفات حساسية وإثارة للجدل، خصوصاً في ظل استمرار الاعتداءات والخروقات التي تفرض واقعاً معقداً على الدولة والمجتمع.
الاعتداءات على لبنان مستمرة، فيما تُقدَّم المفاوضات للبنانيين وكأنها الخيار الوحيد الذي لا بديل عنه. وبينما تتواصل الخروقات والضربات، تُطرح أسئلة مشروعة حول مسار المرحلة المقبلة، ودور الدولة، وحدود التنازلات الممكنة تحت ضغط النار.
التاريخ القريب لا يسمح بالتعامل مع هذا الملف بخفة أو بسذاجة سياسية. فالتفاوض بحد ذاته ليس خيانة، لكنه ليس ضمانة للحقوق أيضاً إذا جرى من موقع الضعف أو تحت الإكراه. والتجارب في المنطقة مليئة بالدروس والعبر.
اسألوا فلسطين عن المفاوضات التي قيل إنها ستقود إلى الدولة، فإذا بالأراضي تتآكل والمستوطنات تتمدّد. واسألوا عن سلطة تحوّل جزء كبير من دورها إلى إدارة الواقع الأمني بدل إنهاء الاحتلال. فالتجارب لا تُقرأ بالشعارات، بل بالنتائج.
لبنان يحتاج إلى دولة قوية، وجيش قوي، وسيادة كاملة على أرضه، لكنه يحتاج أيضاً إلى يقظة وطنية تمنع تحويل أي تسوية إلى غطاء لفرض وقائع جديدة أو تكريس اختلالات دائمة. فالسلام الحقيقي لا يُبنى على الخوف، والسيادة لا تُستعاد بالتنازل عنها.
وفي ظل هذه المعطيات، تبرز الحاجة إلى نقاش وطني واسع يحدد الأولويات والثوابت التي لا يجوز التفريط بها مهما اشتدت الضغوط. فالمسألة لا تتعلق فقط بوقف الاعتداءات أو الوصول إلى تفاهمات مرحلية، بل بمستقبل الدولة اللبنانية وقدرتها على حماية مصالحها وحقوق مواطنيها على المدى البعيد. ومن هنا، فإن أي مسار تفاوضي يجب أن يستند إلى رؤية واضحة وإجماع وطني يحفظ الحقوق ويمنع استغلال الظروف الراهنة لفرض حلول غير عادلة.
كما أن المجتمع الدولي، رغم أهمية دوره في دعم الاستقرار، لا يمكن أن يكون بديلاً عن الإرادة الوطنية أو الضامن الوحيد للحقوق. فالتجارب أثبتت أن المصالح الدولية تتغير بتغير الظروف، بينما تبقى مسؤولية حماية الأرض والسيادة مسؤولية أبناء الوطن ومؤسساته. لذلك فإن بناء عناصر القوة الداخلية وتعزيز الوحدة الوطنية يظلان الأساس في مواجهة التحديات وصون المكتسبات الوطنية.
إن أخطر ما يمكن أن يواجهه اللبنانيون اليوم هو الاعتقاد بأن الوقت كفيل وحده بحماية الحقوق، أو أن الوعود الدولية تكفي لضمان المستقبل. فالشعوب التي لا تتعلم من تجارب غيرها قد تجد نفسها تكرر المأساة ذاتها بأسماء مختلفة. والتجربة الفلسطينية تبقى جرس إنذار لكل من يظن أن التنازلات المتتالية ستقود بالضرورة إلى الاستقرار أو العدالة.
المطلوب من اللبنانيين أن يفتحوا أعينهم على ما يجري حولهم، وأن يتمسكوا بحقوقهم الوطنية وسيادتهم ووحدة أرضهم، وأن يرفضوا أي مسار قد يؤدي مع الوقت إلى خسارة ما تبقى من عناصر القوة والقرار الوطني. فالأوطان لا تُحفظ بالأمنيات، بل بالوعي والإرادة والتمسك بالحقوق. ومن لا يحسن قراءة دروس التاريخ قد يستيقظ يوماً ليجد أن ما خسره لم يعد من السهل استعادته.
من وَهْمِ السقوط السريع… إلى صدمةِ الواقع الإيراني
منذ بداية التصعيد العسكري الكبير ضد إيران، خرج عشرات المحللين والسياسيين عبر الشاشات والمنصات، يتحدثون بثقةٍ مطلقة عن “السقوط الوشيك” للنظام الإيراني، وكأنّ الأمر مسألة أيام أو حتى ساعات. بعضهم رسم خرائطَ لتفكك الدولة، وآخرون تحدثوا عن “ثورة داخلية جاهزة”، بينما بالغ آخرون بالقول إنّ الضربات الدقيقة كفيلة وحدها بإسقاط دولة عمرها عشرات السنين وتفكيك مؤسساتها بالكامل.
لكنّ ما حصل على أرض الواقع كان مختلفاً تماماً.
فإيران، رغم الضربات والخسائر والاغتيالات والاستهدافات، لم تسقط. بل ظهر مشهدٌ معاكس لما راهن عليه كثيرون، إذ بدا أنّ الخطر الخارجي دفع جزءاً كبيراً من الإيرانيين إلى الالتفاف حول الدولة، لا الانقلاب عليها. وهنا تكمن إحدى أكبر الأخطاء التي يقع فيها الغرب وبعض المحللين العرب، الاعتقاد أنّ الشعوب ستصفّق لأي قصفٍ خارجي فقط لأنها تختلف مع حكوماتها.
التاريخ نفسه يكرر الدرس مراراً.
في افغانستان ، قيل إنّ التدخل الأمريكي سيبني دولة ديمقراطية حديثة، فانتهى الأمر بانسحاب مذلّ بعد عشرين عاماً.
وفي العراق ، بُنيت الحرب على وعود “التحرير”، فكانت النتيجة دولة منهكة وفوضى وانقسامات لا تزال مستمرة حتى اليوم.
أما ليبيا ، فتحولت من دولة مركزية إلى ساحة صراعات وميليشيات وتدخلات دولية مفتوحة.
واليوم، يبدو أنّ البعض أراد تكرار السيناريو نفسه مع Iran، تحت شعار “حماية الشعب الإيراني” و”تغيير النظام”، وكأنّ الشعوب تُبنى بالصواريخ، أو أنّ الأوطان تُصلَح عبر تدمير بنيتها التحتية وإغراقها بالفوضى.
المشكلة ليست فقط في القرار الغربي، بل أيضاً في بعض المحللين الذين تحوّلوا إلى أبواق للتوقعات العاطفية لا للقراءة الواقعية. فبدل دراسة تركيبة الدولة الإيرانية وتعقيدات المجتمع والمؤسسات والعقيدة السياسية والعسكرية، جرى تسويق فكرة أنّ “النظام انتهى”، وأنّ الضربة القادمة ستكون الأخيرة.
لكنّ السياسة لا تُقرأ بالأمنيات.
فالدول الكبرى لا تسقط فقط لأنّ خصومها يريدون ذلك، بل عندما تنهار من الداخل بشكل كامل، وعندما تفقد القدرة على الرد والتماسك. وحتى اللحظة، أثبتت إيران أنّها ما زالت تملك أوراق قوة وقدرة على امتصاص الضربات، بل والرد أيضاً، وهو ما أجبر الجميع في النهاية على العودة إلى منطق التهدئة والهدنة بدل أوهام الحسم السريع.
إنّ أخطر ما في بعض التحليلات السياسية اليوم أنّها لا تنقل الحقيقة للناس، بل تنقل ما يريد الجمهور سماعه. وعندما تتحول السياسة إلى تجارة مشاهدات ومزايدات، يصبح التضليل أخطر من الحرب نفسها.
لقد سقط رهان “الانهيار السريع”، كما سقطت قبله رهانات كثيرة في المنطقة. وربما على العالم أن يفهم أخيراً أنّ تغيير الأنظمة بالقوة الخارجية لا يبني استقراراً، بل يفتح أبواب الفوضى لعقود طويلة.
وفي الشرق الأوسط تحديداً، كلّ حرب تبدأ تحت عنوان “التحرير” تنتهي غالباً بخرابٍ أكبر، وشعوبٍ أكثر تعباً، وخرائطَ أكثر هشاشة.