على خليل : ( مثلث القوة الأخير) كيف تواجه القاهرة والرياض وأنقرة مشروع الفوضى؟

لم تعد الأزمات التي تضرب الشرق الأوسط مجرد صراعات متفرقة يمكن النظر إليها كلٌ على حدة، بل بات واضحًا أن المنطقة تعيش مرحلة إعادة تشكيل جيوسياسي عنيفة، تتداخل فيها الحروب بالوكالة مع الضغوط الاقتصادية، وتُستخدم فيها الفوضى كسلاح لإعادة رسم موازين القوى. من غزة إلى السودان، ومن ليبيا إلى اليمن، وصولًا إلى القرن الأفريقي وشرق المتوسط، تتكرر الأنماط ذاتها:
إنهاك الدول المركزية، استنزاف جيوشها، تفجير تناقضاتها الداخلية، وإغراقها في أزمات طويلة الأمد تمنعها من التحول إلى قوى إقليمية مستقلة القرار.
في قلب هذه العاصفة، تبرز ثلاث دول باعتبارها آخر الكتل الكبرى القادرة على منع انهيار التوازن الإقليمي بالكامل: مصر، والسعودية، وتركيا. ورغم اختلاف التجارب السياسية والحسابات التاريخية بين العواصم الثلاث، فإن الواقع يفرض معادلة جديدة عنوانها أن بقاء كل دولة أصبح مرتبطًا – بدرجات متفاوتة – ببقاء الأخرى قوية ومستقرة.
هذه الدول ليست مجرد كيانات كبيرة من حيث السكان أو الاقتصاد، بل تمثل أعمدة الجغرافيا السياسية للمنطقة.
مصر
تتحكم في قناة السويس، أحد أهم شرايين التجارة والطاقة عالميًا، وتمثل بوابة العالم العربي نحو أفريقيا، إضافة إلى امتلاكها أكبر جيش عربي من حيث العدد والخبرة القتالية والتكوين المؤسسي.
السعودية
تمثل الثقل الاقتصادي والمالي والديني الأهم في العالم الإسلامي، وتمتلك قدرة هائلة على التأثير في أسواق الطاقة والاستثمار العالمي.
أما تركيا،
فقد تحولت خلال العقدين الأخيرين إلى قوة صناعية وعسكرية صاعدة، تمتلك نفوذًا واسعًا في شرق المتوسط والقوقاز والقرن الأفريقي، فضلًا عن تطور صناعاتها الدفاعية بصورة لافتة.
ولذلك فإن أي محاولة لإضعاف هذه الدول أو إدخالها في صراعات استنزاف طويلة لا يمكن قراءتها باعتبارها أحداثًا منفصلة، بل باعتبارها جزءًا من عملية أوسع تهدف إلى شل مراكز الثقل الإقليمي، وإعادة إنتاج منطقة مفككة يسهل التحكم فيها من الخارج.
المشهد على الأرض يقدم دلائل واضحة على ذلك.
ففي غزة، لا يقتصر الصراع على مواجهة عسكرية، بل يمتد إلى محاولة إعادة تشكيل البيئة السياسية والأمنية المحيطة بمصر والمنطقة بأكملها، مع ضغوط هائلة مرتبطة بالحدود واللاجئين والترتيبات الأمنية المستقبلية.
وفي السودان، لم يعد الاقتتال مجرد أزمة داخلية، بل تحول إلى تهديد مباشر للأمن القومي المصري والسعودي معًا، خصوصًا في ما يتعلق بالبحر الأحمر، وممرات التجارة، وخطر انهيار الدولة السودانية وتحولها إلى ساحة نفوذ مفتوحة.
وفي ليبيا، ما زال الانقسام يهدد بتحويل الدولة إلى نقطة اشتعال دائمة تستنزف شمال أفريقيا وشرق المتوسط. أما اليمن، فقد أثبت أن أي فراغ أمني في جنوب الجزيرة العربية يتحول فورًا إلى تهديد مباشر للملاحة الدولية وأمن الخليج.
الأخطر أن أدوات الاستهداف لم تعد تقليدية فقط. فالحروب الحديثة لم تعد تبدأ بالدبابات، بل بالفوضى الاقتصادية، والإعلام الموجه، والحملات النفسية، وضرب الثقة بين الشعوب ومؤسسات الدولة. التضخم، الشائعات، التحريض الطائفي، استغلال الأزمات المعيشية، وإشعال الانقسامات العرقية والمذهبية أصبحت أدوات رئيسية في معركة إعادة تشكيل المنطقة. الهدف لم يعد إسقاط نظام سياسي بعينه، بل إنهاك الدولة نفسها وتحويلها إلى كيان عاجز عن الفعل والتأثير.
من هنا، تبدو فكرة الاصطفاف المصري السعودي التركي ضرورة استراتيجية وليست ترفًا سياسيًا. فالمنطقة لم تعد تحتمل سياسة المحاور المتصارعة بين قواها الكبرى، لأن نتائج العقد الماضي أثبتت أن الجميع خسر عندما تحولت الخلافات إلى مواجهات مفتوحة.
لكن أي اصطفاف حقيقي لا يمكن أن يظل مجرد بيانات دبلوماسية أو قمم بروتوكولية. المطلوب هو الانتقال من مرحلة “التهدئة السياسية” إلى بناء شراكة مؤسسية عميقة قائمة على المصالح المتبادلة والأمن المشترك.
البداية يجب أن تكون أمنيًا واستخباراتيًا، عبر إنشاء آلية تنسيق دائمة بين العواصم الثلاث لمراقبة التحركات في البحر الأحمر والقرن الأفريقي وشرق المتوسط. هذه المناطق أصبحت مسرحًا لصراع دولي مفتوح على الموانئ وخطوط الطاقة والنفوذ البحري، وأي غياب للتنسيق يمنح القوى الخارجية فرصة أكبر لاختراق المجال الحيوي للدول الثلاث.
اقتصاديًا، تحتاج المنطقة إلى ما يشبه “صندوق استقرار إقليمي” تشارك فيه الرياض بالقوة التمويلية، والقاهرة بالعمق البشري والخبرة الإدارية، وأنقرة بالقدرات الصناعية والتكنولوجية. لأن انهيار الدول المحيطة – مثل السودان أو ليبيا أو اليمن – لن يبقى داخل حدودها، بل سيتحول إلى موجات نزوح وفوضى وتهريب وسلاح وإرهاب تضغط على الجميع.
أما عسكريًا، فإن التكامل بين الخبرة المصرية والصناعة الدفاعية التركية والقدرات التمويلية السعودية يمكن أن ينتج نموذجًا إقليميًا مختلفًا تمامًا. تركيا حققت قفزات كبيرة في الصناعات الدفاعية والطائرات المسيّرة، والسعودية تمتلك قدرة تمويل واستثمار ضخمة، بينما تمتلك مصر قاعدة بشرية وعسكرية وخبرة تشغيلية واسعة. هذا المزيج، إذا تم توظيفه بذكاء، قد يصنع توازن ردع جديدًا في المنطقة.
ولا يقل الإعلام والثقافة أهمية عن السلاح والاقتصاد. فجزء كبير من معارك السنوات الأخيرة جرى داخل العقول قبل الميادين. لذلك فإن مواجهة خطاب الكراهية والطائفية والتقسيم أصبحت جزءًا من الأمن القومي. المنطقة تحتاج إلى خطاب إعلامي جديد يعيد تعريف فكرة الدولة الوطنية، ويمنع تحويل الاختلافات المذهبية أو القومية إلى وقود دائم للصراع.
وفي هذا السياق، يبرز البعد الباكستاني باعتباره عامل توازن إضافيًا لا يمكن تجاهله. فباكستان ليست مجرد دولة إسلامية كبرى، بل قوة نووية تمتلك خبرة عسكرية وأمنية طويلة في مكافحة الإرهاب وإدارة التوازنات المعقدة. وجود تنسيق استراتيجي بين القاهرة والرياض وأنقرة وإسلام آباد يرفع كلفة أي محاولة لاستهداف هذا المحور أو فرض ترتيبات أمنية بالقوة عليه.
ورغم أهمية التحالفات الرسمية، فإن التجربة أثبتت أن أي مشروع إقليمي لا يمكن أن يصمد إذا لم يستند إلى جبهة داخلية قوية. الشعوب نفسها أصبحت جزءًا من معادلة الأمن القومي. فحين تنهار الثقة بين المواطن ودولته، تصبح أي دولة معرضة للاختراق مهما امتلكت من سلاح. ولهذا فإن المعركة الحقيقية ليست فقط على الحدود، بل داخل الوعي العام، وفي قدرة المجتمعات على التمييز بين النقد المشروع ومحاولات الهدم المنظم.
الخلاصة أن المنطقة وصلت إلى لحظة فارقة. لم يعد السؤال: هل تتقارب مصر والسعودية وتركيا؟ بل: هل تملك هذه الدول رفاهية عدم التقارب أصلًا؟ التجارب أثبتت أن الدول الكبرى في المنطقة حين تتحرك منفردة تصبح أكثر عرضة للاستنزاف، أما حين تتعاون فإنها تمتلك القدرة على فرض التوازن ومنع الانهيار الشامل.
الشرق الأوسط يقف اليوم بين مشروعين: مشروع التفكيك والفوضى، ومشروع بناء توازن إقليمي جديد تقوده القوى القادرة على حماية الدولة الوطنية ومنع سقوطها. وبين المشروعين، تبدو القاهرة والرياض وأنقرة أمام اختبار تاريخي قد يحدد شكل المنطقة لعقود قادمة.
