لماذا يُفاوض ترامب إيران إذا كان يعتبرها “مهزومة”؟

بقلم : د.ليون سيوفى
باحث وكاتب سياسي
في السياسة الدولية، لا تُقاس الأمور دائماً بمنطق الشعارات والخطابات النارية، بل بموازين القوة والمصالح والكلفة والنتائج. ولهذا، فإنّ السؤال الذي يطرحه كثيرون اليوم يبدو مشروعاً: إذا كانت الولايات المتحدة تعتبر إيران دولةً “ضعيفة” أو “منهكة”، فلماذا تُصرّ على التفاوض معها بدل الذهاب إلى الحسم الكامل؟
الحقيقة أنّ التهديد شيء، والواقع الاستراتيجي شيء آخر.
فالرئيس الأميركي دونالد ترامب اعتمد منذ عودته إلى المشهد السياسي خطاباً مرتفع السقف تجاه إيران، مستخدماً لغة العقوبات القصوى والتهديد العسكري والضغط الاقتصادي. لكنّ هذا الخطاب، مهما بدا حادّاً، لا يُلغي حقيقة أساسية: إيران ليست دولة يمكن إسقاطها بسهولة، ولا خصماً صغيراً يمكن تجاهله في معادلات الشرق الأوسط.
ورغم سنوات العقوبات والحصار، ما زالت طهران تمتلك أوراق قوة واضحة:
* نفوذ إقليمي واسع،
* حضوراً مؤثراً في أكثر من ساحة،
* قدرة على التأثير في أمن الخليج والممرات البحرية،
* إضافة إلى شبكات حلفاء تمتد من العراق إلى لبنان واليمن.
ومن هنا، تدرك واشنطن أنّ أي مواجهة شاملة مع إيران قد لا تبقى محصورة داخل حدودها، بل قد تتحول إلى حرب إقليمية واسعة تُهدد الاقتصاد العالمي وأسواق النفط والاستقرار الدولي.
لذلك، فإنّ التفاوض بالنسبة لترامب لا يعني بالضرورة التراجع أو الاعتراف بالهزيمة، بل قد يكون جزءاً من أسلوبه السياسي القائم على:
“الضغط أولاً… ثم فرض الصفقة.”
فهو يريد أن يظهر أمام الأميركيين والعالم كرجل قادر على:
* التهديد بالقوة،
* دفع الخصم إلى الطاولة،
* ثم انتزاع تفاهم يُقدَّم داخلياً على أنه إنجاز أميركي.
وفي المقابل، ستسعى إيران أيضاً إلى تصوير أي اتفاق أو تفاوض على أنه دليل صمود وانتصار سياسي بعد سنوات من الضغوط والعقوبات.
وهنا تكمن طبيعة الصراع الحقيقي:
ليس صراعاً بين منتصرٍ مطلق ومهزومٍ مطلق، بل صراع إرادات وتوازنات وردع متبادل.
فالولايات المتحدة تبقى القوة العسكرية والاقتصادية الأكبر في العالم، لكنّ إيران أثبتت في الوقت نفسه أنها ليست دولة تنهار بالضغط وحده، وأنّ كلفة إسقاطها أو الدخول في حرب مفتوحة معها قد تكون أعلى بكثير من كلفة التفاوض.
لهذا السبب، لا يبدو مستغرباً أن نرى انتقالاً من لغة التهديد إلى لغة التفاهم، حتى بعد التصعيد الكبير. ففي السياسة، كثيراً ما تُستخدم القوة للوصول إلى التفاوض، لا لإلغاء التفاوض.
وفي النهاية، إذا تمّ الإعلان عن اتفاق فعلي بين واشنطن وطهران، فسيخرج كل طرف ليقول لشعبه إنه انتصر:
* ترامب سيقول إنه فرض التفاوض بالقوة،
* وإيران ستقول إنها صمدت ولم تنكسر.
أما الحقيقة الكاملة، فستبقى في مكانٍ ما بين الخطابين.