الشرق الأوسط على مفترق طرق… هل بدأت مرحلة إعادة تشكيل المنطقة؟

حصاد الأسبوع الاستراتيجي اعداد : على خليل
العدد الأول – الأحد 6 يوليو 2026
ليس أخطر ما يحدث في السياسة هو الحدث نفسه، وإنما ما يختبئ خلفه من تحولات قد لا يراها كثيرون إلا بعد أن تصبح واقعًا. ومن هنا جاءت فكرة “حصاد الأسبوع الاستراتيجي”، لنقرأ ما وراء الخبر، ونربط بين الأحداث، ونحاول استشراف اتجاهات الأسبوع القادم في مصر والإقليم والعالم.
هناك فارق كبير بين متابعة الأخبار وفهمها. فالأخبار تخبرنا بما حدث، أما التحليل فيحاول أن يجيب عن السؤال الأصعب: لماذا حدث؟ وإلى أين يقود؟
وهذا الفارق هو ما يدفعنا إلى إطلاق هذا الباب الأسبوعي الجديد في «عرب تليجراف»، ليكون قراءة استراتيجية للأحداث، لا مجرد متابعة لها. فمنطقتنا العربية لم تعد تتحمل رفاهية قراءة كل أزمة بمعزل عن الأخرى، لأن ما يجري في غزة يرتبط بما يحدث في سيناء، وما يحدث في جنوب لبنان يتقاطع مع الحسابات الإيرانية، وما يجري في البحر الأحمر ينعكس على الاقتصاد العالمي، وما تشهده إفريقيا من اضطرابات يؤثر بصورة مباشرة على الأمن القومي المصري والعربي.
لقد كان الأسبوع المنقضي واحدًا من أكثر الأسابيع ازدحامًا بالإشارات السياسية والعسكرية. فمن داخل إسرائيل تصاعدت تقديرات تتحدث عن احتمال العودة إلى العمليات العسكرية الواسعة في قطاع غزة، بالتزامن مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية، ووسط نقاش داخلي متزايد حول مستقبل حكومة بنيامين نتنياهو. وفى الوقت نفسه، برزت مؤشرات على أن المؤسسة العسكرية الإسرائيلية تتعامل مع خيار الحرب بحسابات تختلف عن الحسابات السياسية، إذ يبدو أن القيادات الأمنية تدرك أن أي عملية جديدة ستكون أكثر تعقيدًا وأعلى تكلفة من سابقاتها، في ظل بيئة إقليمية لم تعد كما كانت قبل عامين. وتشير تقارير حديثة إلى أن المؤسسة الأمنية تميل إلى إبقاء الخطط العسكرية جاهزة، لكنها لا ترى أن التوقيت الحالي هو الأنسب لفتح مواجهة واسعة، بينما يظل الخطاب السياسي أكثر ميلًا للتصعيد.
تقديرات إسرائيلية بتجدد حرب غزة…
مناورة انتخابية أم حتمية عسكرية؟
رغم استمرار الجهود الدولية للحفاظ على وقف إطلاق النار، فإن التقارير الصادرة من داخل إسرائيل تشير إلى أن المؤسسة العسكرية أبقت جميع خطط العودة للحرب جاهزة، تحسبًا لفشل المسار السياسي. وفي الوقت نفسه، تشهد الساحة السياسية الإسرائيلية تنافسًا انتخابيًا متصاعدًا، مع اقتراب الانتخابات واحتمال بروز منافسين جدد لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.
وهنا يبرز سؤال جوهري:
هل الحديث عن الحرب يعكس حاجة عسكرية حقيقية، أم أنه جزء من إدارة المعركة السياسية داخل إسرائيل؟
الإجابة ليست بسيطة. فالمؤسسة الأمنية تميل إلى تجنب حرب واسعة في هذه المرحلة، مع الإبقاء على خيار التصعيد إذا تعثرت ترتيبات ما بعد الحرب، بينما يبقى الخطاب السياسي أكثر اندفاعًا، خاصة مع احتدام المنافسة الانتخابية.
لماذا ترفض حماس؟
- أعلنت حركة حماس خطوات تتعلق بإدارة القطاع، لكنها في الوقت نفسه تؤكد أنها لن تقبل ترتيبات تنتزع منها دورها السياسي أو العسكري بالكامل، وهو ما يجعل الخلاف مع إسرائيل قائمًا حول جوهر المرحلة المقبلة، وليس فقط حول شكل الإدارة المدنية.
من الواضح ان حركة حماس غير مستعدة لقبول ترتيبات «اليوم التالي» بالشروط التي تطرحها إسرائيل. فقد أبدت استعدادًا للتعامل مع ترتيبات إدارية جديدة في قطاع غزة، لكنها ترفض أن تتحول تلك الترتيبات إلى غطاء لنزع سلاحها أو إنهاء وجودها السياسي والعسكري. وهنا تكمن العقدة الحقيقية؛ فالقضية لم تعد تتعلق بإدارة الخدمات أو إعادة الإعمار، وإنما بمن يمتلك القرار داخل القطاع بعد انتهاء الحرب، ومن يحدد شكل السلطة ومستقبل المقاومة.
سيناء…
لماذا تتجه الأنظار إلى الحدود المصرية؟
- كلما تعثرت مفاوضات غزة، تتجه الأنظار إلى سيناء.
- ليس لأن مصر طرف في الحرب، وإنما لأنها الطرف الأكثر تأثيرًا في أي تسوية مستقبلية.
- القاهرة أعلنت منذ البداية رفضها لأي تهجير للفلسطينيين أو أي ترتيبات تمس سيادتها، وتواصل في الوقت نفسه تنفيذ مشروعات تنموية كبرى في شمال سيناء، بما يعكس رؤية تقوم على الجمع بين الأمن والتنمية.
كما ترفض مصر أي ترتيبات تمس السيادة المصرية على حدودها الشرقية.
وخلال الأيام الأخيرة عادت التساؤلات بشأن الإجراءات الأمنية في بعض مناطق شمال سيناء، وربط البعض بينها وبين التطورات الجارية في غزة، غير أن الوقائع المتاحة حتى الآن لا تقدم دليلًا على وجود ارتباط مباشر، وهو ما يفرض ضرورة التمييز بين المعلومات المؤكدة وبين التحليلات أو التكهنات. فالأمن القومي المصري لا يُقرأ بالشائعات، وإنما بالحقائق والمؤشرات الاستراتيجية.
ومن هنا تبرز مسؤولية المؤسسات الرسمية، كلٌّ في نطاق اختصاصه، في تقديم المعلومات للرأي العام بالقدر الذي لا يتعارض مع مقتضيات الأمن القومي. فحين تنتشر أخبار تتعلق بإجراءات أمنية أو بإخلاء بعض المناطق، يصبح من الضروري توضيح ما إذا كانت هذه الإجراءات قد اتُخذت بالفعل، وما هي أسبابها وأهدافها العامة، أو نفيها إذا كانت مجرد روايات لا تستند إلى مصادر رسمية. إن غياب المعلومة الدقيقة يفتح المجال واسعًا أمام الشائعات، ويمنح أصحاب الأجندات المعادية فرصة لبث روايات مضللة تستهدف إثارة البلبلة، وإضعاف الثقة، وإحداث ردود فعل سلبية قد تضر بالمصلحة الوطنية أكثر مما تخدمها.
ولقد أثبتت تجارب السنوات الماضية أن حروب اليوم لم تعد تُخاض بالسلاح وحده، بل أصبحت تُدار أيضًا عبر الشائعات، وحملات التضليل، والحروب النفسية، التي تسعى إلى زعزعة ثقة المواطن في مؤسسات دولته. ومن هنا، فإن سرعة تقديم المعلومة الصحيحة، في الوقت المناسب، أصبحت جزءًا لا يتجزأ من منظومة الأمن القومي، لأنها تُغلق الباب أمام التأويل، وتُفشل محاولات استغلال الفراغ المعلوماتي لبث الأكاذيب أو توجيه الرأي العام نحو استنتاجات غير صحيحة.
وإذا كانت غزة تمثل الجبهة الأكثر سخونة، فإنها ليست الجبهة الوحيدة.
- فالسودان لا يزال غارقًا في حرب تستنزف الدولة ومؤسساتها، بينما تتواصل المنافسة الدولية في البحر الأحمر والقرن الإفريقي، وتعيد القوى الكبرى ترتيب أولوياتها في واحدة من أهم المناطق الاستراتيجية في العالم. وفي الوقت نفسه، تواصل الصين توسيع نفوذها الاقتصادي، بينما تحاول الولايات المتحدة استعادة زمام المبادرة، وتبحث روسيا عن تثبيت مكاسبها في مناطق نفوذ جديدة. هذه الملفات تبدو متباعدة جغرافيًا، لكنها تتقاطع عند نقطة واحدة، هي إعادة تشكيل النظام الإقليمي في الشرق الأوسط وإفريقيا.
ولعل السؤال الأكثر أهمية في هذه اللحظة هو: هل نحن أمام مرحلة انتقالية عابرة، أم أمام بداية نظام إقليمي جديد؟
الإجابة ليست سهلة، لكن المؤشرات توحي بأن المنطقة تدخل بالفعل مرحلة إعادة توزيع للأدوار والنفوذ. ولهذا، فإن الدول التي ستنجح في السنوات المقبلة لن تكون بالضرورة الأقوى عسكريًا، وإنما الأكثر قدرة على قراءة التحولات مبكرًا والاستعداد لها.
- وأخطر ما في هذه المرحلة ليس احتمال اندلاع حرب جديدة في غزة، وإنما أن المنطقة بأكملها تبدو وكأنها تدخل مرحلة إعادة صياغة لموازين القوى. فالصراع لم يعد يدور فقط حول الأراضي والحدود، بل أصبح يدور حول الممرات البحرية، ومصادر الطاقة، وشبكات التجارة العالمية، والتكنولوجيا، والذكاء الاصطناعي، وكلها عوامل ستحدد شكل الشرق الأوسط خلال العقد القادم.
ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل ستندلع حرب جديدة؟ بل: أي شرق أوسط سيولد بعد انتهاء هذه المرحلة؟ وهل ستنجح دول المنطقة في فرض رؤيتها، أم ستُفرض عليها ترتيبات جديدة تصنعها القوى الكبرى وفقًا لمصالحها؟
لقد علمتنا التجارب أن الدول التي تنتظر حتى تقع الأحداث تكون دائمًا في موقع رد الفعل، أما الدول التي تقرأ المؤشرات مبكرًا فهي وحدها القادرة على صناعة المستقبل. ولهذا، فإن مسؤولية الإعلام الجاد لم تعد تقتصر على نقل الخبر، بل أصبحت تمتد إلى تفكيكه، وربط أجزائه، وقراءة ما وراءه، حتى يدرك القارئ أن ما يبدو خبرًا عابرًا اليوم، قد يكون بداية لتحول تاريخي غدًا.
لذا تبرز أهمية مصر. فموقعها الجغرافي، وثقلها السكاني، ودورها التاريخي، يجعلها في قلب هذه التحولات، لا على هامشها. ومن ثم، فإن حماية الأمن القومي لم تعد مسؤولية المؤسسة العسكرية وحدها، بل أصبحت مسؤولية الاقتصاد، والتعليم، والإعلام، والبحث العلمي، والدبلوماسية، وكل مؤسسات الدولة.
ولعل الأيام القادمة ستثبت أن أخطر ما يواجه الدول ليس الحدث المفاجئ، بل العجز عن قراءة مقدماته قبل وقوعه.
